* عن الزهري: حدثني سعيد وأبو سلمة: أن أبا هريرة قال: إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل حديث أبي هريرة؟ وإن إخواني من المهاجرين، كان يشغلهم الصفق بالأسواق؛ وكان يشغل إخواني من الأنصار عمل أموالهم؛ وكنت امرأً مسكينًا من مساكين الصفة، ألزم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون.
(1/ 387ـ 388)
* عن مجاهد قال: خرج علينا علي بن أبي طالب يومًا معتجرًا، فقال: جعت مرة بالمدينة جوعًا شديدًا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرًا تريد بله، فأتيتها، فقاطعتها كل ذنوب على تمرة؛ فمددت ستة عشر ذنوبًا، حتى مجلت يداي؛ ثم أتيت الماء، فأصبت منه، ثم أتيتها، فقلت: بكفي هكذا بين يديها، وبسط اسماعيل يديه وجمعهما، فعدت لي ستة عشر تمرة؛ فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فأكل معي منها. وقال حماد بن زيد في حديثه: فاستقيت ستة عشر، أو سبعة عشر؛ ثم غسلت يدي، فذهبت بالتمر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال لي خيرًا ودعا لي؛ ورواه موسى الطحان عن مجاهد نحوه.
*عن مجاهد عن علي، قال: جئت إلى حائط أو بستان، فقال لي صاحبه: دلوًا وتمرة، فدلوت دلوًا بتمرة؛ فملأت كفي، ثم شربت من الماء، ثم جئت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بملء كفي، فأكل بعضه، وأكلت بعضه.
* عن عبد الله بن بريدة: أن سليمان بن ربيعة حدثه: أنه حج في إمرة معاوية، ومعه المنتصر بن الحارث الضبي، في عصابة من قراء أهل البصرة؛ فقالوا: والله، لا نرجع، حتى نلقى رجلًا من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - مرضيًا، يحدثنا بحديث؛ فلم نزل نسأل، حتى حدثنا: أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعإلى عنه قال نازل في أسفل مكة، فعمدنا إليه، فإذن نحن بثقل عظيم، يرتحلون ثلاثمائة راحلة، منها مائة راحلة، ومائتا زاملة؛ قلنا: لمن هذا الثقل؟ فقالوا لعبد الله بن عمرو، فقلنا: أكل هذا له، وكنا نحدث أنه من أشد الناس تواضعًا؟ فقالوا: أما هذه المائة راحلة، فلأخوانه، يحملهم عليها؛ وأما المائتان، فلمن نزل عليه من أهل الأمصار، له ولأضيافه؛ فعجبنا من ذلك عجبًا شديدًا؛ فقالوا: لا تعجبوا من هذا، فإن عبد الله بن عمرو رجل غني، وإنه يرى حقًا عليه: أن يكثر من الزاد لمن نزل عليه من الناس؛ فقلنا: دلونا عليه؛ فقالوا: إنه في المسجد الحرام؛ فانطلقنا نطلبه، حتى وجدناه في دبر الكعبة جالسًا، رجل قصير، أرمص (في ح: أرمض) ، ولعله تصحيف، والرمص مما يجتمع في زوايا الأجفان من رطوبة العين ـ بين بردين وعمامة، وليس عليه قميص، قد علق نعليه في شماله.
* عن أيوب بن وائل الراسبي، قال: قدمت المدينة، فأخبرني رجل جار لابن عمر: أنه أتى ابن عمر أربعة آلاف من قبل معاوية، وأربعة آلاف من قبل إنسان آخر، وألفان من قبل آخر، وقطيفة؛ فجاء إلى السوق، يريد علفًا لراحلته بدرهم نسيئة؛ فقد عرفت الذي جاءه، فأتيت سريته، فقلت: إني أريد أن أسألك عن شيء، وأحب أن تصدقيني، قلت: أليس قد أتت أبا عبد الرحمن أربعة آلاف من قبل معاوية، وأربعة آلاف من قبل إنسان آخر، وألفان من قبل آخر، وقطيفة؟ قالت: بلى، قلت: فإني رأيته يطلب علفًا بدرهم نسيئة! قالت: ما بات حتى فرقها، فأخذ القطيفة، فألقاها على ظهره، ثم ذهب فوجهها، ثم جاء. فقلت: يا معشر التجار، ما تصنعون بالدنيا، وابن عمر أتته البارحة عشرة آلاف درهم وضح، فأصبح اليوم يطلب لراحلته علفًا بدرهم نسيئة.
* قال أبو الدرداء: ما يسرني أن أقوم على الدرج من باب المسجد، فأبيع وأشتري، فأصيب كل يوم ثلاثمائة دينار، أشهد الصلاة كلها في المسجد؛ ما أقول: إن الله عز وجل لم يحل البيع، ويحرم الربا؛ ولكن: أحب أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.
* عن عبد الله بن عمرو قال: تجمعون، فيقال: أين فقراء هذه الأمة ومساكينها؟ قال: فتبرزون، فيقولون: ما عندكم؟ فتقولون: يا رب، ابتلينا، فصبرنا، وأنت أعلم، ووليت الأموال والسلطان غيرنا؛ قال: فيقال: صدقتم؛ قال: فيدخلون الجنة قبل سائر الناس بزمان، وتبقى شدة الحساب على ذوي الأموال.
* عن يزيد بن ميسرة: أن رجلًا ممن مضى: جمع مالًا وولدًا، فأوعى، ولم يدع صنفا من أصناف المال، إلا اتخذه، وابتنى قصرًا، وجعل عليه بابين وثيقين، وجعل عليه حرسًا من غلمانه، ثم جمع أهله، وصنع لهم طعامًا، وقعد على سريره، ورفع إحدى رجليه على الأخرى، وهم يأكلون، فلما فرغوا من طعامهم؛ قال: يا نفس، انعمي لسنين قد جمعت ما يكفيك؛ قال: فلم يخلو من كلامه، حتى أقبل إليه ملك الموت في هيئة رجل، عليه خلقان من الثياب، في عنقه مخلاة، يتشبه بالمساكين؛ فقرع الباب قرعة أفزعه، وهو على فرشه، فوثب إليه الغلمة؛ فقالوا: ما أنت؟ وما شأنك؟ قال: ادعو لي مولاكم، قالوا: إليك يخرج مولانا؟ قال: نعم، فادعوه؛ قال: فأرسل إليهم مولاهم: من هذا الذي قرع الباب؟ فأخبروه بهيئته؛ قال: فهلا فعلتم، وفعلتم؟ قالوا: قد فعلنا، ثم أقبل أيضًا، فقرع الباب قرعة هي أشد من الأولى؛ قال: وهو على فراشه، قال: فوثب إليه الحرس، فقالوا: قد جئت أيضًا؟ قال: نعم، فادعوا لي مولاكم، وأخبروه أني ملك الموت؛ قال: فلما سمعوه، ألقي عليهم الذل والتخشع؛ فجاء الحرس، فأخبروا سيدهم بالذي قال لهم ملك الموت، فقال لهم سيدهم: قولوا له قولًا لينا، وقولوا له: هل يأخذ معه أحدًا غيره؛ قال: فأتوه، فأخبروه بذلك، قال: فدخل عليه، فقال: قم فاصنع في مالك ما أنت صانع، فإني لست بخارج منها حتى أخرج نفسك؛ وأحضر ماله بين يديه؛ فقال حين رآه: لعنك الله من مال، فأنت شغلتني عن عبادة ربي، ومنعتني أن أتخلى لربي؛ فأنطق الله المال، فقال: لم سببتني، وقد كنت وضيعًا في أعين الناس، فرفعتك لما يرى عليك من أثري، وكنت تحضر سدد الملوك فتدخل، ويحضر عباد الله الصالحون فلا يدخلون؟ ألم تكن تخطب بنات الملوك والسادة، فتنكح، ويخطب عباد الله الصالحون، فلا ينكحون؟ ألم تكن تنفقني في سبل الخبث ولا أتعاصى، ولو انفقتني في سبيل الله لم أتعاصى عليك؟ فأنت ألوم فيه مني؛ إنما خلقت أنا، وأنتم يا بني آدم من تراب، فمنطلق بإثم، ومنطلق ببر. فهكذا يقول المال، فاحذروا؛ فأتى ملك الموت روحه، فمات السياق لهما، ودخل حديث بعضهم على بعض.
* عن عبد الله قال: كتب غلام حسان بن أبي سنان إليه من الأهواز: أن قصب السكر أصابته آفة، فاشتر السكر فيما قبلك؛ قال: فاشتراه من رجل، فلم يأت عليه إلا قليل، فإذا فيما اشترى ربح ثلاثين ألفًا؛ قال: فأتى صاحب السكر، فقال: يا هذا، إن غلامي كتب إلي ولم أعلمك، فأقلني فيما اشتريته منك؛ قال الآخر: قد أعلمتني الآن وطيبته لك؛ قال: فرجع، ولم يحتمل قلبه؛ قال: فأتاه، وقال: يا هذا، إني لم آت هذا الأمر من قبل وجهه، فأحب أن تسترد هذا البيع؛ قال: فما زال به، حتى رده عليه.
* أقبل نفر من أصحاب حسان بن أبي سنان، تجارًا في سفينة في النهر، فتلقتهم سفينة تحمل الأرز، فاشتروا ذلك الأرز كله؛ فقال بعضهم: اجعلوا لحسان سهمًا كسهم رجل منا، ففعلوا، فباعوا ذلك الأرز، فربحوا آلاف الدراهم، فأصاب كل إنسان ألفان؛ فعمدوا إلى ألفي حسان، فجعلوها في كيس، ثم أتوه بها، فأخبروه بخبرها؛ فقال لهم: أرأيتم لو بعتم هذا الأرز بوضيعة، كانت تلزمني الوضيعة معكم، قالوا: لا، قال: لا حاجة لي بها.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)