* عن أبي ذر - رضي الله عنه: أن رجلًا أتاه، فقال: إن مصدقي عثمان ازدادوا علينا، أنغيب عنهم، بقدر ما ازدادوا علينا؟ فقال: لا، قف مالك، وقل: ما كان لكم من حق فخذوه، وما كان باطلًا فذروه، فما تعدوا عليك، جعل في ميزانك يوم القيامة ـ وعلى رأسه فتى من قريش ـ؛ فقال: أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فقال: أرقيب أنت علي؟ فوالذي نفسي بيده، لو وضعتم الصمصامة ههنا، ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن تحتزوا، لأنفذتها.
* قال عمر بن الخطاب: إن لله عبادًا: يميتون الباطل بهجره، ويحيون الحق بذكره، رغبوا فرعبوا، ورهبوا فرهبوا، خافوا فلا يأمنون، أبصروا من اليقين مالم يعاينوا، فخلطوه بما لم يزايلوه، أخلصهم الخوف؛ فكانوا يهجرون ما ينقطع عنهم، لما يبقى لهم الحياة عليهم نعمة، والموت لهم كرامة؛ فزوجوا الحور العين، وأُخدموا الولدان المخلدين.
* عن يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية قال: ما رأيت أحدًا أصفق وجهًا في ذات الله، من سفيان الثوري.
* عن خالد بن معدان قال: من التمس المحامد في مخالفة الحق، رد الله تلك المحامد عله ذمًا؛ ومن اجترأ على الملاوم في موافقة الحق، رد الله تلك الملاوم عليه حمدًا.
* عن سعيد الثعلبي قال: لما خرج إبراهيم ومحمد على أبي جعفر المنصور، أراد أهل الثغور أن يعينوه عليهما، فأبوا ذلك، فوقع في يد ملك الروم الألوف من المسلمين أسرى، وكان ملك الروم يحب أن يفادى بهم، ويأبى أبو جعفر؛ فكتب الأوزاعي إلى أبي جعفر كتابًا: أما بعد، فإن الله تعالى إسترعاك أمر هذه الأمة، لتكون فيها بالقسط قائمًا، وبنبيه - صلى الله عليه وسلم - في خفض الجناح والرأفة متشبها؛ وأسأل الله تعالى: أن يسكن على أمير المؤمنين دهماء هذه الأمة، ويرزقه رحمتها؛ فإن سايحة المشركين: غلبت عام أول، وموطؤهم حريم المسلمين، واستنزالهم العواتق والذراري من المعاقل والحصون، وكان ذلك بذنوب العباد، وما عفا الله عنه أكثر؛ فبذنوب العباد: استنزلت العواتق والذرارى، من المعاقل والحصون، لا يلقون لهم ناصرًا، ولاعنهم مدافعًا، كاشفات عن رؤسهن وأقدامهن؛ فكان ذلك بمرأى ومسمع، وحيث ينظر الله إلى خلقه وإعراضهم عنه؛ فليتق الله أمير المؤمنين، وليتبع بالمفادات بهم من الله سبيلًا، وليخرج من محجة الله تعالى، فإن الله تعالى قال لنبيه: ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا؛ والله يا أمير المؤمنين: ما لهم يومئذ فيء موقوف، ولا ذمة تؤدى خراجًا، إلا خاصة أموالهم؛ وقد بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إني لأسمع بكاء الصبي خلفي في الصلاة، فأتجوز فيها، مخافة أن تفتتن أمه؛ فكيف بتخليتهم يا أمير المؤمنين في أيدي عدوهم؟ يمتهنونهم، ويتكشفون منهم مالا نستحله نحن إلا بنكاح، وأنت راعي الله، والله تعالى فوقك، ومستوف منك يوم توضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئًا، وإن كان مثقال حبة من خردل، أتينا بها، وكفى بنا حاسبين؛ فلما وصل إليه كتابه، أمر بالفداء.
* حج سليمان بن عبد الملك، فخرج حاجبه ذات يوم، فقال: إن أمير المؤمنين قال: ابعثوا إلي فقيها أسأله عن بعض المناسك؛ قال: فمر طاووس، فقالوا: هذا طاووس اليماني، فأخذه الحاجب، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: اعفني، فأبى؛ قال: فأدخله عليه، فقال طاووس: فلما وقفت بين يديه، قلت: إن هذا المجلس، يسألني الله عنه؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، إن صخرة كانت على شفير جب في جهنم، هوت فيها سبعين خريفًا، حتى استقرت قرارها؛ أتدري لمن أعدها الله؟ قال: لا، ثم قال: ويلك، لمن أعدها الله؟ قلت: لمن أشركه الله في حكمه فجار، قال: فبكا لها.
* عن الزهري قال: نظر سليمان بن عبد الملك إلى رجل يطاف به بالكعبة، له جمال وتمام؛ فقال: يا ابن شهاب، من هذا؟ قلت: يا أمير المؤمنين، هذا طاووس اليماني، وقد أدرك عدة من الصحابة؛ فأرسل إليه سليمان، فاتاه، فقال: لو ما حدثتنا؛ فقال: حدثني أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن أهون الخلق على الله: من ولي من أمر المسلمين شيئًا، فلم يعدل فيهم» . فتغير وجه سليمان، فاطرق طويلًا، ثم رفع رأسه، فقال: لو ما حدثتنا؛ فقال: حدثني رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ قال ابن شهاب: ظننت أنه أراد عليًا ـ قال: دعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى طعام في مجلس من مجالس قريش، فقال: «إن لكم على قريش حقًا، ولهم على الناس حق: ما استرحموا فرحموا، واستحكموا فعدلوا، وائتمنوا فأدوا؛ فمن لم يفعل ذلك، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا» . فتغير وجه سليمان، فاطرق طويلًا، ثم رفع رأسه، فقال: لو ما حدثتني؛ فقال: حدثني ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أن آخر أية نزلت في كتاب الله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281] الآية.
* عن المفضل بن مهلهل قال: خرجت حاجًا مع سفيان، فلما صرنا إلى مكة، وافينا الأوزاعي بها، فاجتمعنا: أنا، الأوزاعي، وسفيان، في دار؛ قال: وكان على الموسم: عبد الصمد بن علي الهاشمي، فدق داق الباب، فقلنا: من هذا؟ قال: الأمير؛ فقام الثوري، فدخل المخدع، وقام الأوزاعي، فتلقاه؛ فقال له عبد الصمد بن علي: من أنت أيها الشيخ؟ قال: أبو عمرو الأوزاعي، قال: حياك الله بالسلام؛ أما إن كتبك كانت تأتينا، فكنا نقضي حوائجك؛ ما فعل سفيان الثوري؟ قال: قلت: دخل المخدع؛ فدخل الأوزاعي في إثره، فقال: إن هذا الرجل، ما قصد إلا قصدك؛ فخرج سفيان مغضبًا، فقال: سلام عليكم، كيف أنتم؟ فقال له عبد الصمد: أتيتك، أكتب هذه المناسك عنك؛ فقال له سفيان: أولا أدلك على ما هو أنفع لك منها؟ قال: وما هو؟ قال: تدع ما أنت فيه؛ فقال: وكيف أصنع بأمير المؤمنين أبي جعفر؟ قال: إن أردت الله، كفاك أبا جعفر؛ فقال له الأوزاعي: يا أبا عبد الله، إن هؤلاء: ليس يرضون منك، إلا بالأعظام لهم، فقال له: يا أبا عمرو، إنا لسنا نقدر أن نضربهم، وإنما نؤذيهم بمثل هذا الذي ترى؛ قال مفضل: فالتفت إلى الأوزاعي، فقال: قم بنا من هاهنا، فإني لا آمن من هذا، يبعث من يضع في رقابنا حبالًا، وإن هذا ما يبالي.
* عن يحيى بن سعيد بن حبان عن أبيه، قال: جمع المختار رباع أهل الكوفة على صحيفة مختومة: يبايعون على ما فيها، ويقرون بها؛ فقلت: لأنظرن ما يصنع الحارث بن سويد، فلما دعيت، إذا هو بين يدي القوم، فمشيت إلى جنبه؛ فقلت: يا أبا عائشة، أتدري ما في هذه الصحيفة؟ قال: إليك عني، فإني سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ما كنت لأدع قولًا أقوله، أدرأ به عني سوطين.
* عن أبي حيان التيمي عن أبيه، قال: دعا الناس المختار إلى كتاب مختوم ليبايعوه، ويقروا بما فيه، لا يدرون ما فيه؛ قال: فانطلق الحي، وانطلقت معهم، قال: وبعضنا سعى ببعض؛ فنظرت، فإذا الحارث بن سويد أمام القوم، فقال له أحدنا: يا أبا عائشة، ما رأيت مثل ما تمشي فيه منيبًا إلى كتاب مختوم، لا يدرى ما فيه، أكفر فيه، أم سحر؟ قال: دعنا منك أيها الرجل، إني سمعت عبد الله يقول: ما من كلام أتكلم به لدى سلطان، يدرأ به عني سوط، إلا كنت متكلمًا لديه.
* عن طلحة بن عبد الملك الإيلي قال: دخل عمر بن عبد العزيز على سليمان بن عبد الملك، وعنده أيوب ابنه، وهو يومئذ ولي عهده، قد عقد له من بعده؛ فجاء إنسان يطلب ميراثًا من بعض نساء الخلفاء، فقال سليمان: ما أخال النساء، يرثن في العقار شيئًا؛ فقال عمر بن عبد العزيز: سبحان الله، وأين كتاب الله؛ فقال: يا غلام، إذهب، فأتني بسجل عبد الملك بن مروان، الذي كتب في ذلك، فقال له عمر: لكأنك أرسلت إلى المصحف؛ قال أيوب: والله، ليوشكن الرجل يتكلم بمثل هذا عند أمير المؤمنين، ثم لا يشعر، حتى تفارقه رأسه؛ فقال له عمر: إذا أفضى الأمر إليك وإلى مثلك، فما يدخل على هؤلاء، أشد مما خشيت أن يصيبهم من هذا؛ فقال سليمان: مه، ألأبي حفص تقول هذا؟ قال عمر: والله، لئن كان جهل علينا يا أمير المؤمنين، ما حلمنا عنه.
* عن عبد الرحمن بن جبير ابن نفير عن أبيه، قال: أخرج معاوية غنائم قبرص إلى طرسوس، من ساحل حمص، ثم جعلها هناك في كنيسة، يقال لها: كنيسة معاوية؛ ثم قام في الناس، فقال: إني قاسم غنائمكم على ثلاثة أسهم: سهم لكم، وسهم للسفن، وسهم للقبط، فإنه لم يكن لكم قوة على عدو البحر، إلا بالسفن والقبط؛ فقام أبو ذر، فقال: بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، على: أن لا تأخذني في الله لومة لائم: أتقسم يا معاوية للسفن سهمًا، وإنما هي فيئنا؛ وتقسم للقبط سهما، وإنما هم أجراؤنا؟ فقسمها معاوية على قول أبي ذر.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)