فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 392

* قال عبد الواحد بن زيد: سألت الله ثلاث ليال أن يريني رفيقي في الجنة، فرأيت كأن قائلًا يقول لي: يا عبد الواحد، رفيقك في الجنة ميمونة السوداء؛ فقلت: وأين هي؟ فقال: في آل بني فلان بالكوفة؛ قال: فخرجت إلى الكوفة، فسألت عنها؛ فقيل: هي مجنونة بين ظهرانينا، ترعى غنيمات لنا؛ فقلت: أريد أن أراها؛ قالوا: أخرج إلى الخان، فخرجت، فإذا هي قائمة تصلي، وإذا بين يديها عكازة لها؛ فإذا عليها جبة من صوف، مكتوب عليها: لا تباع، ولا تشترى؛ وإذا الغنم مع الذئاب، لا الذئاب تأكل الغنم، ولا الغنم تفزع من الذئاب؛ فلما رأتني، أوجزت في صلاتها؛ ثم قالت: إرجع يا ابن زيد، ليس الموعد ههنا، إنما الموعد ثم؛ فقلت لها: رحمك الله، وما يعلمك أني ابن زيد؟ فقالت: أما علمت أن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف؟ فقلت لها: عظيني؛ فقالت: واعجبا لواعظ يوعظ، ثم قالت: يا ابن زيد، إنك لو وضعت معاير القسط على جوارحك لخبرتك، بمكتوم مكنون ما فيها؛ يا ابن زيد: إنه بلغني، ما من عبد أعطي من الدنيا شيئًا، فابتغى إليه ثانيًا، إلا سلبه الله حب الخلوة معه، ويبد له بعد القرب البعد، وبعد الأنس الوحشة؛ ثم أنشأت تقول:

يا واعظا قام لاحتساب…يزجر قوما عن الذنوب

تنهى وأنت السقيم حقا…هذا من المنكر العجيب

لو كنت أصلحت قبل هذا…غيك أو تبت من قريب

كان لما قلت يا حبيبي…موقع صدق من القلوب

تنهى عن الغي والتمادي…وأنت في النهى كالمريب

فقلت لها: إني أرى هذه الذئاب مع الغنم، لا الغنم تفزع من الذئاب، ولا الذئاب تأكل الغنم، فايش هذا؟ فقالت: إليك عني، فإني أصلحت ما بيني وبين سيدي، فأصلح بين الذئاب والغنم. (6/ 158 - 159)

* عن إبراهيم بن أدهم قال: بلغني أن الحسن البصري رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه؛ فقال: يا رسول الله، عظني؛ قال: من استوى يوماه، فهو مغبون؛ ومن كان غده شرًا من يومه، فهو ملعون؛ ومن لم يتعاهد النقصان من نفسه، فهو في نقصان؛ ومن كان في نقصان، فالموت خير له.

* عن أحمد بن عاصم الأنطاكي قال: إني أدركت من الأزمنة زمانًا: عاد فيه الإسلام غريبًا كما بدأ، وعاد وصف الحق فيه غريبًا كما بدأ؛ إن نزعت فيه إلى عالم: وجدته مفتونًا بالدنيا، يحب التعظيم والرياسة؛ وإن نزعت إلى عابد: وجدته جاهلًا في عبادته، مجذوعًا، صريع عدوه إبليس، قد صعد به إلى أعلى سطح في العبادة، وهو جاهل بأدناها، فكيف له بأعلاها؛ وسائر ذلك من الرعاع: فقبيح أعوج، وذئاب مختلسة، وسباع ضارية، وثعالب جارية؛ هذا وصف عيون مثلك في زمانك، من حملة العلم والقرآن، ودعاة الحكمة؛ وذلك: أني لست أرى عالمًا، إلا مغلوبًا على عقله، بعيدًا غور فطنته، لمضرت لأمور دنياه، متبعًا هواه، معجبًا برأيه، شحيحًا على دنياه، سمحًا بدينه، منعزمًا بمذموم القضاء، معانقًا لهواه فيما يرضى، غير منتقل عما يكره الله تعالى منه، بل مستزيدًا من أنواع الفتنة والبلاء، محتملًا شقاء الدنيا بالشهوة، قاسيًا قلبه، عظيمًا غفلته عما خلق له، مستبطئًا لما يدعى مما قد ضمن له، غير واثق بالله، مفقود منه خوف ما قد استوجب به النار، معترض للموت فيما يستقبل، مشغوف بدنياه، غافل عن آخرته، عاشق للذهب والفضة، زاهد فيما ندب إليه من الشوق.

فكما أنه ضعف يقينه فيما يتشوق إليه، كذلك كان أمنه عند الوعيد؛ فعندها كان ناسيًا لذنوبه، ذاكرًا محاسنه، قد صيرها نصب عينينه، وآثامه تحت قدميه، داخلًا فيما لا يعنيه، مشغوفا بالدنيا، لا يقنعه قليلها، ولا يشبعه كثيرها، ولا يسعى ولا يكدح إلا لها، ولا يفرح ولا يتزين إلا لها، ولا يرضى ويسخط إلا لها؛ راض بحظه، بقليل حظه المتروك، النتقل عنه من كثير حظه من آخرته، بل راض بحظه من المخلوقين من حظه من خالقه؛ خائف من فقر بدأ به، آمن من معاص قد قدمها، وعقوبات قد استحقها، متزين للخلائق بما يسقطه عند خالقه، مؤيس منه، غير موثوق به؛ متحرزون، يتزينون بالكلام في المجالس، يتكبرون في مواطن الغضب عند خلاف الهوى، ذئاب أقران عند ممارسة الدنيا، طلس دجر جرائزة؛ فالطمع الكاذب يستيمله، والهوى المردي يخلق مروءته، ويسلبه نور إسلامه، ولم يكن على حقيقة خوف، فنزع به الامتحان إلى جوهره وطباعه، والله المستعان.

فتعقل الآن، وصف من هذا؟ وصف عيون ملتك في زمانك؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار، واتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا، ولهم أوجب الثواب؛ ثم نبههم لعظم المنة في قسم العقول، ولم يعذر بالتقصير: من ضيع شكره، وآثر هواه؛ ذلك بأن الله تعالى خلق الهوى، فجعله ضدًا للعقل، وجعل للعقل شكلًا: وهو العلم، والهوى، والباطل شكلان، مؤتلفان، قرينان، يدعوان إلى مذموم العواقب للدنيا والآخرة.

هيهات يا أهل العقول: من الذي يحظر على الله عز وجل مواهبه؟ ومن الذي منحه الله تعالى منحة، فيجب عنه؟ ومن الذي يمنعه الله عز وجل شيئًا، فيوجد عنده؟ هل للعباد إلى الله تعالى من حاجة بعد تركيب جوارحهم؟ الخير للثواب، والشر للعقاب؛ فحركات الخير والشر: من الطاعات والمعاصي؛ فخلق سبحانه هذه الأسباب، بلا شرح ترجمة منا، جعلها بقدرته أضدادًا، ولم يدع مستغلقًا إلا جعل له مفتاحًا، ولا شكلًا إلا جعل عليه تبيانا واضحًا؛ فلا إله إلا الذي خلق للخير أسبابًا، لا يستطيع العباد أن يصلوا إلى شيء من أعمال الخير، إلا بتلك الأسباب؛ وهي حاجزة عن المعاصي، إذا أسكنها الله تعالى قلب من أحبه، واستعمله به.

* عن الحسن قال: يا ابن آدم، عملك عملك، فإنما هو لحمك ودمك، فانظر على أي حال تلقى عملك؟ إن لأهل التقوى علامات، يعرفون بها صدق الحديث، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة الفخر والخيلاء، وبذل المعروف، وقلة المباهاة للناس، وحسن الخلق، وسعة الخلق مما يقرب إلى الله عز وجل؛ يا ابن آدم، إنك ناظر إلى عملك، يوزن خيره وشره، فلا تحقرن من الخير شيئًا، وإن هو صغر، فإنك إذا رأيته: سرك مكانه؛ ولا تحقرن من الشر شيئًا، فإنك إذا رأيته: ساءك مكانه؛ فرحم الله رجلًا: كسب طيبًا، وأنفق قصدًا، وقدم فضلًا ليوم فقره وفاقته؛ هيهات هيهات، ذهبت الدنيا بحالتي مآلها، وبقيت الأعمال قلائد في أعناقكم، أنتم تسوقون الناس، والساعة تسوقكم، وقد أسرع بخياركم، فما تنتظرون المعاينة، فكأن قد. إنه لا كتاب بعد كتابكم، ولا نبي بعد نبيكم؛ يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك، تربحهما جميعًا؛ ولا تبيعن آخرتك بدنياك، فتخسرهما جميعًا.

* عن عبد الله بن مسعود، أنه كان يقول إذا قعد: إنكم في ممر الليل والنهار: في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة؛ فمن يزرع خيرًا: يوشك أن يحصد رغبة؛ ومن يزرع شرًا: يوشك أن يحصد ندامة؛ ولكل زارع مثل ما زرع، لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له؛ فمن أعطى خيرًا: فالله تعالى أعطاه، ومن وقي شرًا: فالله تعالى وقاه؛ المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة.

(1/ 133ـ134)

* بينما سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام، إذ أتى بحجر منقوش، فطلب من يقرأه له؛ فأتي بوهب بن منبه، فقرأه، فإذا فيه: ابن آدم، إنك لو رأيت قرب ما بقي من أجلك: لزهدت في طويل أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك، ولقصرت من حرصك وحيلك؛ وإنما يلقاك غدًا ندمك، وقد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك؛ فبان منك الوليد القريب، ورفضك الوالد والنسيب؛ فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد؛ فاعمل ليوم القيامة، قبل الحسرة والندامة؛ قال: فبكى سليمان بكاء شديدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت