* عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا قومًا يصيبنا ظلف العيش بمكة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشدته، فلما أصابنا البلاء، اعترفنا لذلك، ومرنا عليه، وصبرنا له؛ ولقد رأيتني مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة، خرجت من الليل أبول، وإذا أنا أسمع بقعقعة شيء تحت بولي، فإذا قطعة جلد بعير؛ فأخذتها، فغسلتها، ثم أحرقتها، فوضعتها بين حجرين، ثم استفها، وشربت عليها من الماء، فقويت عليها ثلاثًا.
* عن الحسن قال: خطب عتبة بن غزوان، فكان أول أمير خطب على منبر البصرة؛ ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومالنا طعام، إلا ينوي الشجر، حتى قرحت أشداقنا، غير أني التقطت بردة، فشققتها بيني وبين سعد بن مالك؛ قال: فما بقي من الرهط السبعة، إلا أمير، على مصر من الأمصار.
* عن أسماء ـ بنت أبي بكر ـ قالت: لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم؛ فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؛ قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشًا خبيثًا، فلطم خدي لطمة، خر منها قرطي؛ قالت: ثم انصرفوا.
* عن أبي بكر الواسطي قال: قال سمنون بن حمزة: يا رب، قد رضيت بكل ما تقضيه علي، فاحتبس بوله أربعة عشر يومًا، فكان يلتوي كما تلتوي الحية على الرمل، يتقلب يمينًا وشمالًا؛ فلما أطلق بوله، قال: يا رب، تبت إليك. وأنشدت عن جعفر عن سمنون:
أنا راض بطول صدك عني…ليس إلا لأن ذاك هواكا
فامتحن بالجفا صبري على…الود ودعني معلقا برجاكا
* عن أبي أبا بكر الزقاق قال: كان سبب ذهاب بصري: أني خرجت في وسط السنة أريد مكة، وفي وسطي نصف جل، وعلى كتفي نصف جل، فرمدت إحدى عيني، فمسحت الدموع بالجل، فقرح المكان، فكانت الدموع والدم، يسيلان من عيني وقرحتي، وأنا من سكر إرادتي لم أحس به؛ وإذا أثرت الشمس في يدي، قلبتها ووضعتها على عيني، رضاء مني بالبلاء؛ وكنت في التيه وحدي، فخطر بقلبي: أن علم الشريعة يباين علم الحقيقة، فهتف بي هاتف من شجر البادية: يا أبا بكر، كل حقيقة لا تتبعها شريعة، فهي كفر.
* قال صدقة المقابري لرجل كان يواخيه ويصحبه: كيف تجدك؟ فقال: إن الذي بي من البلاء، أقل مما أصبت من لذة الهوى، ولو أصابني من البلاء، بقدر ما نلت من لذة الهوى، إذا لاجتمع علي جميع البلاء. وكان كثيرا ينشد أبياتا للثقفي:
أما ترى الموت ما ينفك مختطفا…من كل ناحية نفسًا فيحويها
قد نغصت أملًا كانت تؤمله…وقام في الحي ناعيها وباكيها
وأسكنوا الترب تبلى فيه أعظمهم…بعد النضارة ثم الله يحييها
وصار ما جمعوا منها وما دخروا…من الأقارب يحويه أدانيها
فامهد لنفسك في أيام مدتها…واستغفر الله مما أسلفته فيها
* سئل علي بن الحسين عن كثرة بكائه، فقال: لا تلوموني، فإن يعقوب فقد سبطًا من ولده، فبكى حتى ابيضت عيناه، ولم يعلم أنه مات؛ وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلًا من أهل بيتي في غزاة واحدة؛ أفترون حزنهم يذهب من قلبي؟.
* عن إبراهيم النخعي: أنه بكى في مرضه، فقالوا له: يا أبا عمران، ما يبكيك؟ قال: وكيف لا ابكي، وأنا انظر رسولًا من ربي يبشرني، إما بهذه، وإما بهذه؟
* عن محمد ابن واسع قال: لقد أدركت رجالًا، كان الرجل، يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة، قد بل ما تحت خده من دموعه، لا تشعر به امرأته؛ ولقد أدركت رجالًا، يقوم أحدهم في الصف، فتسيل دموعه على خده، ولا يشعر به الذي إلى جانبه.
* عن ربيع بن عتاب قال: كنت أمشي مع زياد ابن جرير، فسمع رجلًا يحلف بالأمانة؛ قال: فنظرت إليه وهو يبكي، قلت: ما يبكيك؟ فقال: أما سمعت هذا يحلف بالأمانة؟ فلئن تحك أحشائي حتى تدمى، أحب إلي من أحلف بالأمانة.
* مر الربيع بن أبي راشد برجل به زمانة، فجلس يحمد الله ويبكي، فمر به رجل؛ فقال: ما يبكيك رحمك الله؟ قال: ذكرت أهل الجنة وأهل النار، فشبهت أهل الجنة بأهل العافية، وأهل النار بأهل البلاء؛ فذلك الذي أبكاني.
* عن أبي سليمان ـ الداراني ـ قال: عودوا أعينكم البكاء، وقلوبكم التفكر.
* عن عاصم قال: سمعت شقيق بن سلمة يقول وهو ساجد: رب اغفر لي، رب اعف عني، إن تعف عني، فطولا من فضلك، وإن تعذبني، غير ظالم لي، ولا مسبوق؛ قال: ثم يبكي، حتى أسمع نحيبه من وراء المسجد.
* عن كعب الأحبار قال: وجدت في التوراة: من خرج من عينه مثل الذباب من الدمع، من خشية الله، أمنه الله من عذاب جهنم.
* وعنه قال: ما من رجل بكى من خشية الله، فتسيل دموعه على الأرض، فتقطر، فتصيبه النار، أبدًا، حتى يرجع قطر السماء، إذا وقع على الأرض من السماء.
* وعنه قال: لأن أبكي من خشية الله، فتسيل دموعي على وجنتي؛ أحب إلي من أن أتصدق بوزني ذهبًا.
* عن ميمون بن مهران قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: حدثني يا ميمون؛ قال: فحدثته حديثًا بكى منه بكاء شديدًا؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، لو علمت أنك تبكي هذا البكاء، لحدثتك حديثًا ألين من هذا؛ فقال: يا ميمون، إنا نأكل هذه الشجرة العدس، وهي ـ ما علمت ـ مرقة للقلب، مغزرة للدمعة، مذلة للجسد.
(5/ 271ـ272)
* عن أنس قال: ذهبت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أم أيمن يزورها، فقربت له طعامًا، أو شرابًا؛ فأما إن كان صائمًا، وأما لم يرده؛ فجعلت تخاصمه ـ أي: كل ـ فلما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قال أبو بكر لعمر: من بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزورها، فلما رأتهما بكت؛ فقالا لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما أبكي، إني لأعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد صار إلى خير مما كان فيه؛ ولكني أبكي لخبر السماء انقطع عنا، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها.
* عن جعفر بن برقان قال: بلغنا: أن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه كان يقول: أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث: ضحكت من مؤمل الدنيا، والموت يطلبه؛ وغافل لا يغفل عنه؛ وضاحك ملء فيه، لا يدري أمسخط ربه، أم مرضيه؛ وأبكاني ثلاث: فراق الأحبة، محمد وحزبه؛ وهول المطلع عند غمرات الموت؛ والوقوف بين يدي رب العالمين، حين لا أدري: إلى النار انصرافي، أم إلى الجنة.
* عن عبد الواحد بن يزيد قال: يا إخوتاه، ألا تبكون خوفًا من النيران؟ ألا، وإنه من بكى خوفًا من النار: أعاذه الله تعالى منها؛ يا إخوتاه: ألا تبكون خوفًا من شدة العطش يوم القيامة؟ يا إخوتاه: ألا تبكون؟ بلى، فابكوا على الماء البارد أيام الدنيا، لعله أن يسقيكموه في حظائر القدس، مع خير القدماء والأصحاب: من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. قال: ثم جعل يبكي، حتى غشى عليه.