* عن عنبسة الخواص قال: كان عتبة ـ بن أبان الغلام ـ يزورني، فربما بات عندي؛ قال: فبات عندي ذات ليلة، فبكى من السحر بكاءً شديدًا؛ فلما أصبح، قلت له: قد فزعت قلبي الليلة ببكائك، ففيم ذاك يا أخي؟ قال: يا عنبسة، إني والله ذكرت يوم العرض على الله؛ ثم مال ليسقط، فاحتضنته، فجعلت أنظر إلى عينيه يتقلبان، قد اشتدت حمرتهما؛ قال: ثم أزبد، وجعل يخور؛ فناديته: عتبة، عتبة؛ فأجابني بصوت خفي: قطع ذكر يوم العرض على أوصال المحبين؛ قال: ويردده، ثم جعل يحشرج البكاء، ويردده حشرجة الموت، ويقول: تراك مولاي تعذب محبيك، وأنت الحي الكريم؟ قال: فلم يزل يرددها حتى والله أبكاني.
* عن صالح المري قال: للبكاء دواع بالفكرة في الذنوب، فإن أجابت على ذلك القلوب، وإلا نقلتها إلى الموقف، وتلك الشدائد والأهوال، إن أجابت، وإلا فاعرض عليها التقلب في أطباق النيران. ثم بكى، وغشي عليه، وتصايح الناس.
* عن يحيى بن الفضل الأنيسي قال: سمعت بعض من يذكر عن محمد بن المنكدر: أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلي، إذ استبكى، وكثر بكاؤه، حتى فزع أهله؛ وسألوه: ما الذي أبكاه؟ فاستعجم عليهم، وتمادى في البكاء؛ فأرسلوا إلى أبي حازم، فأخبروه بأمره؛ فجاء أبو حازم إليه، فإذا هو يبكي، قال: يا أخي، ما الذي أبكاك؟ قد رعت أهلك، أفمن علة؟ أم ما بك؟ فقال: إنه مرت بي آيه في كتاب الله عز وجل. قال وما هي؟ قال: قول الله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] ؛ قال: فبكى أبو حازم أيضًا معه، واشتد بكاؤهما. فقال بعض أهله لأبي حازم: جئناك لتفرج عنه، فزدته؛ فأخبرهم ما الذي أبكاه.
* عن أبي سفيان عن أشياخه: أن سعد بن أبي وقاص دخل على سلمان يعوده، فبكى سلمان، فقال له سعد: ما يبكيك؟ تلقى أصحابك، وترد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحوض، وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنك راض؛ فقال: ما أبكي جزعًا من الموت، ولا حرصًا على الدنيا؛ ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد إلينا، فقال:"ليكن بلغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب". وهذه الأساود حولي ـ وإنما حوله مطهرة، أو انجابة، ونحوها ـ؛ فقال له سعد: إعهد إلينا عهدًا نأخذ به بعدك؛ فقال له: أذكر ربك عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت.
* عن عبد الله بن أبي مليكة قال: صحبت ابن عباس رضي الله تعالى عنه من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل، قام شطر الليل؛ قال: فسأله أيوب، كيف كانت قراءته؟ قال: قرأ: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [قّ:19] . فجعل يرتل، ويكثر في ذاكم النشيج. لفظ أبي عبيدة.
* منصور بن عمار يقول: كان الليث بن سعد إذا تكلم بمصر، أحد قفاه؛ فتكلمت في مسجد الجامع يومًا، فاذا رجلان قد دخلا من باب المسجد، فوقفا على الحلقة، فقالا: من المتكلم؟ فأشاروا إلي، فقالا: أجب أبا الحارث الليث، فقمت وأنا أقول: واسوأتاه، ألقى من مرلد هكذا؛ فلما دخلت على الليث سلمت، فقال لي: أنت المتكلم في المسجد؟ قلت: نعم، رحمك الله؛ فقال لي: إجلس، ورد علي الكلام الذي تكلمت به، فأخذت في ذلك المجلس بعينه، فرق الشيخ وبكى، وسرى عني؛ وأخذت في صفة الجنة والنار، فبكى الشيخ، حتى رحمته؛ ثم قال لي بيده: اسكت، فقال لي: ما اسمك؟ قلت: منصور، قال: ابن من؟ قلت: ابن عمار، قال: أنت أبو السري؟ قلت: نعم؛ قال: الحمد لله الذي لم يمتني، حتى رأيتك، ثم قال: يا جارية، فجاءت، فوقفت بين يديه، فقال لها: جيئيني بكيس كذا وكذا، فجاءت بكيس فيه ألف دينار؛ فقال: يا أبا السرى، خذ هذا إليك، وصن هذا الكلام أن تقف به على أبواب السلاطين، ولا تمدحن أحدًا من المخلوقين بعد مدحتك لرب العالمين، ولك في كل سنة مثلها؛ قلت: رحمك الله، إن الله قد أنعم إلي وأحسن؛ قال: لا ترد علي شيئًا أصلك به؛ فقبضتها، وخرجت؛ قال: لا تبطئ علي، فلما كان في الجمعة الثانية، أتيته؛ فقال لي: أذكر شيئًا، فأخذت في مجلس لي، فتكلمت، فبكى الشيخ، وكثر بكاؤه؛ فلما أردت أن أقوم؛ قال: أنظر ما في ثنى الوسادة، فإذا خمسمائة دينار؛ فقلت: رحمك الله، عهدي بصلتك بالأمس؛ قال: لا ترد علي شيئًا أصلك به، متى أراك؟ قلت: الجمعة الداخلة؛ قال: كأنك فتت عضوًا من أعضائي، فلما كانت الجمعة الداخلة، أتيته مودعًا؛ فقال لي: خذ في شيء أذكرك به، فتكلمت، فبكى الشيخ، وكثر بكاؤه؛ ثم قال لي: يا منصور، انظر ما في ثنى الوسادة، فإذا ثلاثمائة دينار، قال: أعدها للحج؛ ثم قال: يا جارية، هاتي ثياب إحرام منصور، فجاءت بإزار فيه أربعون ثوبًا؛ قلت: رحمك الله، أكتفي بثوبين؛ فقال لي: أنت رجل كريم، فيصحبك قوم، فأعطهم؛ وقال للجارية التي تحمل الثياب معه: وهذه الجارية لك.
* عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: قلت ليزيد بن مرثد: مالي أرى عينك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عنه، قلت: عسى الله أن ينفعني به؛ قال: يا أخي، إن الله قد توعدني: إن أنا عصيته، أن يسجنني في النار؛ والله، لو لم يتوعدني أن يسجنني، إلا في الحمام، لكنت حريًا أن لا تجف لي عين؛ قال: فقلت له: فهكذا أنت في خلواتك؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، فقال: والله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي، فيحول بيني وبين ما أريد، وإنه ليوضع الطعام بين يدي، فيعرض لي، فيحول بيني وبين أكله، حتى تبكي امرأتي، ويبكي صبياننا، ما يدرون ما أبكانا؛ ولربما أضجر ذلك امرأتي، فتقول: يا ويحها، ما خصصت به من طول الحزن معك في الحياة الدنيا، ما تقر لي معك عين.
* عوف بن الحارث بن الطفيل، وهو ابن أخي عائشة لأمها: أن عائشة باعت رباعها؛ فقال ابن الزبير: لأحجرن عليها، فقالت عائشة رضي الله عنها: لله علي أن لا أكلم ابن الزبير، حتى أفارق الدنيا؛ فطالت هجرتها، فاستشفع ابن الزبير بكل أحد، فأبت أن تكلمه؛ فقالت: والله لا آثم فيه أبدًا، فلما طالت هجرتها، كلم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود عائشة، فدخلوا عليها معهم ابن الزبير، فاعتنقها ابن الزبير، فبكى، وبكت عائشة رضي الله تعالى عنها بكاءً كثيرًا، وناشدها ابن الزبير الله والرحم؛ فلما أكثروا عليها، كلمته، ثم بعثت إلى اليمن، فابتيع لها أربعين رقبة، فأعتقتها. قال عوف: ثم سمعت بعد ذلك تذكر نذورها ذلك، فتبكي، حتى تبل دموعها خمارها.
* عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: كان لعمر بن عبد العزيز سفط فيه دراعة من شعر، وغل، وكان له بيت في جوف بيت يصلي فيه، لا يدخل فيه أحد، فإذا كان في آخر الليل، فتح ذلك السفط، ولبس تلك الدراعة، ووضع الغل في عنقه؛ فلا يزال يناجي ربه ويبكي، حتى يطلع الفجر؛ ثم يعيده في السفط.
* عن يعلى بن عطاء عن أمه: أنها كانت تصنع لعبد الله بن عمرو الكحل، وكان يكثر من البكاء؛ قال: ويغلق عليه بابه، ويبكي عيناه؛ قال: وكانت أمي تصنع له الكحل.
* عن ميمون بن مهران: أن راهبًا دخل على عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: ألم أخبر أنك تديم البكاء؟ فمم ذاك؟ قال: إني والله يا أمير المؤمنين، عهدت الناس، وما شيء عندهم آثر من دينهم؛ وما شيء اليوم، آثر عندهم من دنياهم؛ فعلمت أن الموت اليوم خير للبر والفاجر. قال: فلما خرج، قال عمر: صدق يا أبا أيوب الراهب.
* سالم بن بشر بن جحل: أن أبا هريرة بكى في مرضه، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي على بعد سفري، وقلة زادي، وأني أصبحت في صعود مهبط، على جنة ونار، لا أدري أيهما يؤخذ بي.
* عن عيسى بن عمر قال: كان عمرو بن عتبة بن فرقد يخرج على فرسه ليلًا، فيقف على القبور؛ فيقول: يا أهل القبور، قد طويت الصحف، وقد رفعت الأعمال؛ ثم يبكي، ويصف بين قدميه، حتى يصبح؛ فيرجع، فيشهد صلاة الصبح.
* عن ابن شهاب الزهري قال: زعموا أن ابن رواحة بكى حين أراد الخروج إلى مؤتة، فبكى أهله حين رأوه يبكي؛ فقال: والله ما بكيت جزءا من الموت، ولا صبابة لكم، ولكني بكيت من قول الله عز وجل: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم:7] . فأيقنت أني واردها، ولم أدر، أأنجو منها، أم لا؟.
* عن عبد الله ابن عبيدة: أن نفرًا اجتمعوا في حجرة صفية بنت حيي، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكروا الله، وتلوا القرآن، وسجدوا؛ فنادتهم صفية: هذا السجود وتلاوة القرآن، فأين البكاء؟
* عن قسامة بن زهير قال: خطبنا أبو موسى رضي الله تعالى عنه بالبصرة، فقال: يا أيها الناس، إبكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء، حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت.
* عن سيار عن جعفر قال: كان حبيب أبو محمد رقيقًا، من أكثر الناس بكاء؛ فبكى ذات ليلة بكاء كثيرًا، فقالت عمر ة ـ بالفارسية ـ: لم تبكي يا أبا محمد؟ قال لها حبيب ـ بالفارسية ـ: دعيني، فإني أريد أن أسلك طريقًا لم أسلكه قبل.
* منصور بن عمار يقول: تكلمت في مجلس، فيه سفيان بن عيينة، وفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك؛ فأما سفيان بن عيينة: فتغرغرت عيناه، ثم نشفتا من الدموع؛ وأما ابن المبارك: فسالت دموعه؛ وأما الفضيل: فانتحب، فلما قام فضيل وابن المبارك، قلت لسفيان: يا أبا محمد، ما منعك أن يجيء منك ما جاء من صاحبك، قال: هذا أكمد للحزن، إن الدمعة إذا خرجت، استراح القلب.
* عن عتبة بن غزوان قال: لقد رأيتنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابع سبعة، مالنا طعام، إلا ورق الحبلة، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة، ما يخالطه شيء.
(1/ 171ـ172)
* عن وهب قال: ما من شئ، إلا يبدو صغيرًا، ثم يكبر؛ إلا المصيبة، فإنها تبدو كبيرة، ثم تصغر.
* عن وهب بن منبه قال: البلاء للمؤمن، كالشكال للدابة.
* عن وهب بن منبه قال: من أصيب بشيء من البلاء، فقد سلك به طريق الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام.
* عن أبي الجلد قال: ليحلن البلاء على أهل الصلاة خصوصًا لا يراد غيرهم، والأمم حولهم آمنون يرتعون، حتى أن الرجل ليرجع يهوديًا أو نصرانيًا.
* عن نوف البكالى قال: مثل هذه الأمة: مثل المرأة الحامل، يرجى لها الفرج على رأس ولدها؛ وهذه الأمة، إذا لج بها البلاء، لم يكن لها فرج دون الساعة.
* عن الجنيد بن محمد قال: البلاء على ثلاثة أوجه: على المخلطين عقوبات، وعلى الصادقين تمحيص جنايات، وعلى الأنبياء من صدق الاختيارات.
* عن يزيد بن ميسرة قال: لا تضر نعمة معها شكر، ولا بلاء معه صبر؛ ولبلاء في طاعة الله، خير من نعمة في معصية الله.
* عن عثمان بن بزدويه قال: كنت مع وهب بن منبه وسعيد بن جبير يوم عرفة، تحت نخيل ابن عامر؛ فقال وهب لسعيد: يا أبا عبد الله، كم لك منذ خفت من الحجاج؟ قال: خرجت عن امرأتي وهي حامل، فجائني الذي في بطنها، وقد خرج وجهه؛ فقال له وهب: إن من كان قبلكم، إذا أصاب أحدهم بلاء، عده رخاء؛ وإذا أصابه رخاء، عده بلاء.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)