فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 392

* الفضيل بن عياض يقول: لو أن لي دعوة مستجابة، ما صيرتها إلا في الإمام، قيل له: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: متى ما صيرتها في نفسي لم تحزني، ومتى صيرتها في الإمام، فصلاح الإمام صلاح العباد والبلاد، قيل: وكيف ذلك يا أبا علي؟ فسر لنا هذا، قال: أما صلاح البلاد، فإذا أمن الناس ظلم الإمام عمرو الخرابات ونزلوا الأرض، وأما العباد، فينظر إلى قوم من أهل الجهل، فيقول: قد شغلهم طلب المعيشة عن طلب ما ينفغهم من تعلم القرآن وغيره، فيجمعهم في دار خمسين خمسين أقل أو أكثر، يقول للرجل: لك ما يصلحك، وعلم هؤلاء أمر دينهم، وانظر ما أخرج الله عز وجل من فيهم مما يزكى الأرض، فرده عليهم قال: فكان صلاح العباد والبلاد، فقبل ابن المبارك جبهته، وقال: يا معلم الخير من يحسن هذا غيرك؟.

* عن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز: أنه دخل على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي حاجة فأخلني ـ وعنده مسلمة بن عبد الملك ـ، فقال له عمر: أسر دون عمك، فقال: نعم، فقام مسلمة وخرج، وجلس بين يديه، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما أنت قائل لربك غدًا إذا سألك؟ فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة لم تحيها، فقال له: يا بني أشيء حملتكه الرعية إلي، أم رأي رأيته من قبل نفسك؟ قال: لا والله، ولكن رأي رأيته من قبل نفسي، وعرفت أنك مسئول، فما أنت قائل؟ فقال له أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيرًا، فوالله إني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير، يا بني: إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة، ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم، لم آمن أن يفتقوا علي فتقا تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يهراق في سببي محجمة من دم، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنة، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [لأعراف: 87]

* عن مسلمة قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز في اليوم الذي مات فيه، وفاطمة بنت عبد الملك جالسة عند رأسه، فلما رأتني تحولت وجلست عند رجليه، وجلست أنا عند رأسه، فإذا عليه قميص وسخ مخرق الجيب، فقلت لها: لو أبدلتم هذا القميص، فسكتت، ثم أعدت القول عليها مرارًا، حتى غلظت، فقالت: والله ما له قميص غيره.

* عبد الله بن عمرو قال: سمعت شيخًا كان في حرس عمر يقول: رأيت عمر بن عبد العزيز حين ولي، وبه من حسن اللون وجودة الثياب والبزة، ثم دخلت عليه بعد وقد ولي، فإذا هو قد احترق واسود ولصق جلده بعظمه، حتى ليس بين الجلد والعظم لحم، وإذا عليه قلنسوة بيضاء قد اجتمع قطنها، يعلم أنها قد غسلت، وعليه سحق انبجانية قد خرج سداها، وهو على شاذكونة قد لصقت بالأرض، تحت الشاذكونة عباءة قطرانية من مشاقة الصوف، فأعطاني مالًا أتصدق به بالرقة، فقال: لا تقسمه إلا على نهر جار، فقلت له: يأتيني من لا أعرفه، فمن أعطي؟ قال: من مد يده إليك.

* عن إبراهيم بن هشام بن يحيى قال: حدثني أبي عن جدي قال: كنت أنا وابن أبي زكريا بباب عمر، فسمعنا بكاء في داره، فسألنا عنه، فقالوا: خير أمير المؤمنين امرأته بين أن تقيم في منزلها ـ وأعلمها أنه قد شغل عن النساء بما في عنقه ـ وبين أن تلحق بمنزل أبيها، فبكت فبكى جواريها لبكائها.

* عن أبي أمية الخصي غلام عمر بن عبد العزيز قال: بعثني عمر بن عبد العزيز بدينارين إلى أهل الدير، فقال: إن بعتموني موضع قبري، وإلا تحولت عنكم، قال: فأتيتهم، فقالوا: لولا أنا نكره أن يتحول عنا ما قبلناه، قال: ودخلت مع عمر الحمام يومًا، فأطلى، فولى مغابنه بيده، ودخلت يومًا إلى مولاتي، فغدتني عدسًا، فقلت: كل يوم عدس، فقالت: يا بني هذا طعام مولاك أمير المؤمنين عمر.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت