* جرير بن عطية بن الخطفي ـ والخطفي اسمه: حذيفة بن بدر بن سلمة ـ قال: لما قدم عمر بن عبد العزيز، نهضت إليه الشعراء من الحجاز والعراق، فكان فيمن حضره: نصيب، وجرير، والفرزدق، والأحوص، وكثير، والحجاج القضاعي؛ فمكثوا شهرًا لا يؤذن لهم، ولم يكن لعمر فيهم رأى ولا أرب، وإنما كان رأيه وبطانته ووزراؤه وأهل أربه: القراء، والفقهاء، ومن وسم عنده بورع، فكان يبعث إليهم حيث كانوا من بلدانهم، فوافق جرير قدوم عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي ـ وكان ورعا، فقيها، مفوها في المنطق، نظير الحسن بن أبي الحسن في منطقه ـ فرآه جرير على باب عمر، مشمر الثياب، معتمًا على لمة لاصقة برأسه، قد أرخى صنفيها بين يديه، فقال جرير:
يأيها القارىء المرخى عمامته…هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه…أني لدى الباب كالمشدود في قرني
فقال له عون: من أنت؟ فقال جرير، فقال: إنه لا يحل لك عرضي، قال: فاذكرني للخليفة، قال: إن رأيت لك موضعًا فعلت، فدخل عون على عمر، فسلم عليه، ثم حمد الله، وذكر بعض كلامه ومواعظه، ثم قال: هذا جرير بالباب فاحرز لي عرضي منه، فأذن لجرير فدخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إني أخبرت أنك تحب أن توعظ، ولا تطرب، فأذن لي في الكلام، فأذن له، فقال:
لجت أمامة في لومي وما علمتت…عرض اليمامة روحاتي ولا بكرى
ما هوم القوم مذ شدوا رحالهم…إلا غشاشا لدى إغضارها اليسر
يصرخن صرخ خصى المعزاء إذ و دت…شمس النهار وعاد الظل للقمر
زرت الخليفة من أرض على قدر…كما أتى ربه موسى على قدر
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا…من الخليفة ما نرجو من المطر
أأذكر الضر والبلوى التي نزلت…أم تكتفى بالذي نبئت من خبر
ما زلت بعدك في دار تقحمني…وضاق بالحي إصعادي ومنحدري
لا ينفع الحاضر الموجود بادينا…ولا يعود لنا باد على حضر
كم بالمواسم من شعثاء أرملة…ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
أذهبت خلقته حتى دعا ودعت…يا رب بارك لطر الناس في عمر
ممن يعد تكفى فقد والده…كالفرخ في الوكر لم ينهض ولم يطر
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها…فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
فترقرقت عينا عمر، وقال: إنك لتصف جهدك، فقال: ما غاب عني وعنك أشد، فجهز إلى الحجاز عيرًا تحمل الطعام والكسى والعطايا، يبث في فقرائهم، ثم قال: أخبرني أمن المهاجرين أنت يا جرير؟ قال: لا، قال: فشبك بينك وبين الأنصار رحم أو قرابة أو صهر؟ قال: لا، قال: فممن يقاتل على هذا الفيء أنت ويجلب على عدو المسلمين؟ قال: لا، قال: فلا أرى لك في شيء من هذا الفيء حقا، قال: بلى والله، لقد فرض الله لي فيه حقًا إن لم تدفعني عنه، قال: ويحك وما حقك؟ قال: ابن سبيل أتاك من شقة بعيدة، فهو منقطع به على بابك، قال: إذًا أعطيك، فدعا بعشرين دينارًا فضلت من عطائه، فقال: هذه فضلت من عطائي، وإنما يعطى ابن السبيل من مال الرجل، ولو فضل أكثر من هذا أعطيتك، فخذها، فإن شئت فاحمد، وإن شئت فذم، قال: بل أحمد يا أمير المؤمنين، فخرج، فجهشت إليه الشعراء، وقالوا: ما وراءك يا أبا حزرة، قال: يلحق الرجل منكم بمطيته، فإني خرجت من عند رجل يعطي الفقراء ولا يعطي الشعراء، وقال:
وجدت رقى الشيطان لا تستفزه…وقد كان شيطاني من الجن راقيًا
* عن سالم بن عبد الله بن عمر: أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى سالم بن عبد الله، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله ابتلاني بما ابتلاني به من أمر هذه الأمة، عن غير مشاورة مني فيها، ولا طلبة مني لها، إلا قضاء الرحمن وقدره، فأسأل الذي ابتلاني من أمر هذه الأمة بما ابتلاني: أن يعينني على ما ولاني، وأن يرزقني منهم السمع والطاعة، وحسن مؤازرة، وأن يرزقهم مني الرأفة والمعدلة، فإذا أتاك كتابي هذا، فابعث إلي بكتب عمر بن الخطاب وسيرته، وقضاياه في أهل القبلة وأهل العهد، فإني متبع أثر عمر وسيرته إن أعانني الله على ذلك، والسلام؛ فكتب إليه سالم بن عبد الله: بسم الله الرحمن الرحيم، من سالم بن عبد الله بن عمر إلى عبد الله عمر أمير المؤمنين، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله خلق الدنيا لما أراد، وجعل لها مدة قصيرة، كأن بين أولها وآخرها ساعة من نهار، ثم قضى عليها وعلى أهلها الفناء، فقال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون} [القصص: 88] لا يقدر منها أهلها على شيء حتى تفارقهم ويفارقونها، أنزل بذلك كتابه، وأنزل بذلك رسله، وقدم فيه بالوعيد، وضرب فيه الأمثال، ووصل به القول، وشرع فيه دينه، وأحل الحلال، وحرم الحرام، وقص فأحسن القصص، وجعل دينه في الأولين والآخرين، فجعله دينًا واحدًا، فلم يفرق بين كتبه، ولم تختلف رسله، ولم يشق أحد بشيء من أمره، ولم يسعد أحد من أمره بشيء شقي به أحد؛ وإنك اليوم يا عمر لم تعد أن تكون إنسانًا من بني آدم، يكفيك من الطعام والشراب والكسوة ما يكفي رجلًا منهم، فاجعل فضل ذلك فيما بينك وبين الرب الذي توجه إليه شكر النعم، فإنك قد وليت أمرًا عظيمًا ليس يليه عليك أحد دون الله، قد أفضى فيما بينك وبين الخلائق، فإن استطعت أن تغنم نفسك وأهلك، وأن لا تخسر نفسك وأهلك فافعل، ولا قوة إلا بالله؛ فإنه قد كان قبلك رجال عملوا بما عملوا، وأماتوا ما أماتوا من الحق، وأحيوا ما أحيوا من الباطل، حتى ولد فيه رجال ونشئوا فيه، وظنوا أنها السنة، ولم يسدوا على العباد باب رخاء، إلا فتح عليهم باب بلاء، فإن استطعت أن تفتح عليهم أبواب الرخاء: فإنك لا تفتح عليهم منها بابًا، إلا سد به عنك باب بلاء، ولا يمنعك من نزع عامل أن تقول: لا أجد من يكفيني عمله، فإنك إذا كنت تنزع لله، وتعمل لله، أتاح الله لك رجالًا، وكالًا بأعوان الله، وإنما العون من الله على قدر النية، فإذا تمت نية العبد تم عون الله له، ومن قصرت نيته قصر من الله العون له بقدر ذلك، فإن استطعت أن تأتي الله يوم القيامة ولا يتبعك أحد بظلم، ويجيء من كان قبلك وهم غابطون لك بقلة اتباعك، غابط لهم بكثرة أتباعهم، فافعل؛ ولا قوة إلا بالله، فإنهم قد عاينوا وعالجوا نزع الموت الذي كانوا منه يفرون، وانشقت بطونهم التي كانوا فيها لا يشبعون، وانفقأت أعينهم التي كانت لا تنقضي لذاتها، واندقت رقابهم في التراب غير موسدين بعد ما تعلم من تظاهر الفرش والمرافق، فصاروا جيفا تحت بطون الأرض، تحت آكامها، لو كانوا إلى جنب مسكين تأذى بريحهم، بعد إنفاق مالا يحصى عليهم من الطيب، كان إسرافا وبدارًا عن الحق، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ما أعظم يا عمر وأفظع الذي سيق إليك من أمر هذه الأمة، فأهل العراق فليكونوا من صدرك بمنزلة من لا فقر بك إليه، ولا غنى بك عنه، فإنهم قد وليتهم عمال ظلمة، قسموا المال، وسفكوا الدماء، فإنه من تبعث من عمالك كلهم أن يأخذوا بجبية، وأن يعملوا بعصبية، وأن يتجبروا في عملهم، وأن يحتكروا على المسلمين بيعا، وأن يسفكوا دمًا حرامًا، الله الله يا عمر في ذلك، فإنك توشك إن اجترأت على ذلك أن يؤتى بك صغيرًا ذليلًا، وإن أنت اتقيت ما أمرتك به، وجدت راحته على ظهرك وسمعك وبصرك، ثم إنك كتبت إلي تسأل أن أبعث إليك بكتب عمر بن الخطاب وسيرته وقضائه في المسلمين وأهل العهد، وأن عمر عمل في غير زمانك، وأني أرجو إن عملت بمثل ما عمل عمر، أن تكون عند الله أفضل منزلة من عمر، وقل كما قال العبد الصالح: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] ، والسلام عليك.
* عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: قال لي الوليد بن عبد الملك: في كم تختم القرآن؟ قلت: في كذا وكذا، فقال: أمير المؤمنين على شغله يختم في سبع أو ثلاث.
* عن الأوزاعي قال: لما قطع عمر بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان يجري عليهم من أرزاق الخاصة، وأمرهم بالانصراف إلى منازلهم، فتكلم في ذلك عنبسة بن سعيد، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لنا قرابة، قال: لن يتسع مالي لكم، وأما هذا المال، فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد، ولا يمنعه من أخذه إلا بعد مكانه، والله، إني لأرى أن الأمور لو استحالت حتى يصبح أهل الأرض يرون مثل رأيكم لنزلت بهم بائقة من عذاب الله، ولفعل بهم، قال: وكان عمر يجلس إلى قاص العامة بعد الصلاة، ويرفع يديه إذا رفع.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)