فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 392

* عن أبي مهلهل قال: أخذ بيدي سفيان الثوري، فأخرجني إلى الجبان، فاعتزلنا ناحية عن طريق الناس؛ فبكى، ثم قال: يا مهلهل، إن استطعت أن لا تخالط في زمانك هذا أحدًا، فافعل؛ وليكن همك مرمة جهازك، واحذر إتيان هؤلاء الأمراء، وارغب إلى الله في حوائجك لديهم، وافزع إليه فيما ينوبك؛ وعليك بالاستغناء عن جميع الناس، وارفع حوائجك إلى من لا تعظم الحوائج عنده؛ فوالله، ما أعلم اليوم بالكوفة أحدًا: أفزع إليه في قرض عشرة دراهم أقرضني، ثم كتبها علي، حتى يذهب ويجيء؛ ويقول: جاءني سفيان، فاستقرض مني، فأقرضته.

* قال سفيان الثوري: عليك بالقصد في معيشتك، وإياك أن تتشبه بالجبابرة، وعليك بما لا يقرف: من الطعام، والشراب، واللباس، والمركب؛ وليكن أهل مشورتك: أهل التقوى، وأهل الأمانة، ومن يخشى الله عز وجل.

(7/ 12ـ13)

* كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: أما بعد: فكأن العباد قد عادوا إلى الله تعالى، ثم ينبئهم بما عملوا،: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31] . فإنه لا معقب لحكمه، ولا ينازع في أمره، ولا يقاطع في حقه الذي استحفظه عباده، وأوصاهم به.

وإني أوصيك بتقوى الله، وأحثك على الشكر فيما اصطنع عندك من نعمة، وآتاك من كرامة؛ فإن نعمه: يمدها شكره، ويقطعها كفره.

أكثر ذكر الموت: الذي لا تدري متى يغشاك، ولا منا من ولا فوت.

وأكثر من ذكر يوم القيامة وشدته، فإن ذلك يدعوك إلى الزهادة فيما زهدت فيه، والرغبة فيما رغبت فيه؛ ثم كن مما أوتيت من الدنيا على وجل، فإن من لا يحذر ذلك، ولا يتخوفه: توشك الصرعة أن تدركه في الغفلة.

وأكثر النظر في عملك في دنياك، بالذي أمرت به، ثم اقتصر عليه؛ فإن فيه لعمري شغلًا عن دنياك؛ ولن تدرك العلم، حتى تؤثره على الجهل؛ ولا الحق، حتى تذر الباطل؛ فنسأل الله لنا ولك حسن معونته، وأن يدفع عنا وعنك بأحسن دفاعه برحمته.

* عن الأوزاعي، أنه كتب إلى أخ له: أما بعد: فإنه قد أحيط بك من كل جانب؛ واعلم: أنه يسار بك في كل يوم وليلة؛ فاحذر الله، والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به؛ والسلام.

* عن الأوزاعي، أنه كتب إلى الحكم بن غيلان القيسي: قد أحببت ـ رحمنا الله وإياك ـ أن يقفك ما عملت من المراء، وإن كان على ما تعلم فيه؛ وأن تجعل لمعادك في طرفي نهارك نصيبًا، ولا يستفرغنك إيثار غيره؛ ودع امتحان من اتهمت، وضع أمره على ما قد ظهر لك منه؛ فإن ستر عنك خلافًا، فاحمد الله على عافيته؛ وإن عرض لك ببدعة، فأعرض عن بدعته، ودع من الجدال ما يفتن القلب، وينبت الضغينة، ويجفي القلب، ويرق الورع في المنطق والفعل؛ ولا تكن ممن يمتحن من لقي بالأوابد، وما عسى أن يفتري به أحد؛ وليكن ما كان منك على سكينة وتواضع، تريد به الله؛ وليعنك ما عنى الصالحين قبلك، فإنه قد أعظمهم ثقل الساعة، فجرت على خدودهم من الخشوع دموعهم، وطووا من خوف على ظمأ مناهلهم؛ عناهم على أنفسهم، وراحتهم على الناس.

نسأل الله أن يرزقنا وإياك علمًا نافعًا، وخشوعًا يؤمننا به من الفزع الأكبر؛ إنه أرحم الراحمين، والسلام عليك.

(6/ 140ـ141)

* عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: كان الفقهاء يتواصون بينهم بثلاث، ويكتب بذلك بعضهم إلى بعض: من عمل لآخرته: كفاه الله دنياه، ومن أصلح سريرته: أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله: أصلح الله ما بينه وبين الناس.

* قال أحمد بن عاصم: كتب رجل إلى أخيه: أما بعد: فاطلب ما يعنيك بترك مالا يعنيك، فإن في ترك مالا يعنيك: درك لما يعنيك. قال: وكتب رجل إلى أخيه، أما بعد: فالله الله، اسمع أحدثك عنه: انه لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم، ولكن بقدر كرمه وجوده؛ ولم يفرح المحزونين بقدر حزنهم، ولكن بقدر رأفته ورحمته؛ فما ظنك بالتواب الرحيم: الذي يتودد إلى من يؤذى به، فكيف بمن يؤذى فيه؛ وما ظنك بالتواب الرحيم الكريم: الذي يتوب على من يعاديه، فكيف بمن يعادي فيه؛ والذي يتفضل على من يسخطه ويؤذيه، فكيف بمن يترضاه، ويختار سخط العباد فيه.

* عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار قال: قال عمر لرجل: أوصيك بتقوى الله، فإنها ذخيرة الفائزين، وحرز المؤمنين؛ وإياك والدنيا أن تفتنك؛ فإنها قد فعلت ذلك بمن كان قبلك: إنها تغر المطمئنين إليها، وتفجع الواثق بها، وتسلم الحريص عليها، ولا تبقى لمن استبقاها، ولا يدفع التلف عنها من حواها؛ لها مناظر بهجة؛ ما قدمت منها أمامك: لم يسبقك، وما أخرت منها خلفك: لم يلحقك.

(5/ 341ـ342)

* عن عون بن عبد الله، أنه كان يكتب بهذه: أما بعد: فإني أوصيك بوصية الله التي حفظها، سعادة: لمن حفظها، وأضاعتها: شقاوة لمن ضيعها؛ ورأس التقوى: الصبر، وتحقيقها: العمل، وكمالها: الورع؛ وإن تقوى الله: شرطه الذي اشترط، وحقه الذي افترض؛ والوفاء بعهد الله: أن تجعل له، ولا تجعل لمن دونه؛ فإنما يطاع من دونه بطاعته، وإنما تقدم الأمور وتؤخر بطاعته؛ وأن ينقض كل عهد للوفاء بعهده، ولا ينقض عهده لوفاء بعد غيره؛ هذا إجماع من القول له، تفسير لا يبصره: إلا البصير، ولا يعرفه: إلا اليسير.

(4/ 244ـ245)

* عن وهب بن منبه قال: قال عالم لمن فوقه في العلم: كم أبني من البناء؟ قال: يكفيك ما يسترك من الشمس، ويكنك من الغيث؛ قال: كم آكل من الطعام؟ قال: فوق الجوع، ودون الشبع؛ قال: كم ألبس من الثياب؟ قال: لباس المسيح عليه السلام؛ قال: كم أضحك؟ قال: ما يسفر وجهك، ولا يسمع صوتك؛ قال: كم أبكي؟ قال: لا تمل أن تبكي من خشية الله؛ قال: كم أخفي من العمل؟ قال: حتى يظن الناس: أنك لم تعمل حسنة؛ قال: كم أعلن من العمل؟ قال: ما يأتم بك الحريص، ولا تؤتى ـ أو قال: ولا يقبل عليك كلام الناس ـ. قال: وسمعت راهبًا يقول: إن لكل شيء طرفين ووسطًا، فإذا أمسكت بأحد الطرفين: مال الآخر، وإذا أمسكت بالوسط: اعتدل الطرفان؛ ثم قال: عليكم بالأوسط من الأشياء.

* عن شعيب قال: حدثني محدث أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على عمر؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي إليك حاجة، فأخلني ـ وعنده مسلمة بن عبد الملك ـ فقال له عمر: أسر دون عمك؟ فقال: نعم؛ فقام مسلمة وخرج، وجلس بين يديه؛ فقال له: يا أمير المؤمنين، ما أنت قائل لربك غدًا إذا سألك؟ فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة لم تحيها؛ فقال له: يا بني أشيء حملتكه الرعية إلي، أم رأي رأيته من قبل نفسك؟ قال: لا والله، ولكن رأي رأيته من قبل نفسي، وعرفت أنك مسئول، فما أنت قائل؟ فقال له أبوه: رحمك الله، وجزاك من ولد خيرًا؛ فوالله، إني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير؛ يا بني: إن قومك قد شدوا هذا الأمر: عقدة عقدة، وعروة عروة؛ ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم، لم آمن أن يفتقوا علي فتقًا تكثر فيه الدماء؛ والله، لزوال الدنيا أهون علي: من أن يهراق في سببي محجمة من دم؛ أو ما ترضى: أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا، إلا وهو يميت فيه بدعة، ويحيي فيه سنة؛ حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق، وهو خير الحاكمين.

(5/ 282ـ283)

* عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه قال: قال عمر بن عبد العزيز: عظني يا أبا حازم؛ قال: قلت: اضطجع، ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن تكون فيه تلك الساعة، فخذ فيه الآن؛ وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة، فدعه الآن.

* عن محمد بن يزيد بن خنيس قال: قال رجل: مررت ذات يوم بفضيل بن عياض؛ فقلت له: أوصني بوصية ينفعني الله بها؛ قال: يا عبد الله، أخف مكانك، واحفظ لسانك، واستغفر لذنبك، وللمؤمنين، والمؤمنات؛ كما أمرك.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت