* عن محمد بن أحمد المذكر، عن بعض أصحابه؛ قال: قال ذو النون لفتى من النساك: يا فتى، خذ لنفسك بسلاح الملامة، وأقمعها برد الظلامة: تلبس غدًا سرابيل السلامة؛ واقصرها في روضة الأمان، وذوقها مضض فرائض الإيمان: تظفر بنعيم الجنان؛ وجرعها كأس الصبر، ووطنها على الفقر: حتى تكون تام الأمر.
فقال له الفتى: وأي نفس تقوى على هذا؟
فقال: نفس على الجوع صبرت، وفي سربال الظلام خطرت؛ نفس ابتاعت الآخرة بالدنيا، بلا شرط، ولا ثنيا؛ نفس تدرعت رهبانية القلق، ورعت الدجا إلى واضح الفلق.
فما ظنك بنفس في وادي الحنادس سلكت، وهجرت اللذات فملكت، وإلى الآخرة نظرت، وإلى العيناء أبصرت، وعن الذنوب أقصرت، وعلى الذر من القوت اقتصرت، ولجيوش الهوى قهرت، وفي ظلم الدياجي سهرت؛ فهي بقناع الشوق مختمرة، وإلى عزيزها في ظلم الدجا مشتمرة، قد نبذت المعايش، ورعت الحشايش؛ هذه نفس خدوم، عملت ليوم القدوم، وكل ذلك بتوفيق الحي القيوم.
(9/ 356ـ357)
* عن مبارك أبي حماد، قال: سمعت سفيان يقول لعلي بن الحسن فيما يوصيه: يا أخي، عليك بالكسب الطيب، وما تكسب بيدك؛ وإياك وأوساخ الناس: أن تأكله، أو تلبسه؛ فإن الذي يأكل أوساخ الناس، مثله: مثل عليته لرجل، وسفله ليس له؛ فهو لا يزال على خوف أن يقع سفله، وتتهدم علته.
فالذي يأكل أوساخ الناس، هو يتكلم بهوى، ويتواضع للناس مخافة أن يمسكوا عنه.
ويا أخي، إن تناولت من الناس شيئًا: قطعت لسانك، وأكرمت بعض الناس، وأهنت بعضهم، مع ما ينزل بك يوم القيامة؛ فإن الذي يعطيك شيئًا من ماله، فإنما هو وسخه، وتفسير وسخه: تطهير عمله من الذنوب؛ وإن أنت تناولت من الناس شيئًا: إن دعوك إلى منكر أجبتهم.
وإن الذي يأكل أوساخ الناس، كالرجل: له شركاء في شيء ينبغي له أن يقاسمهم.
يا أخي، جوع، وقليل من العبادة: خير من أن تشبع من أوساخ الناس، وكثير من العبادة؛ وقد بلغنا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لو أن أحدكم أخذ حبلًا، ثم احتطب حتى يدبر ظهره، كان خيرًا له، من أن يقوم على رأس أخيه: يسأله، أو يرجوه؛ وبلغنا: أن عمر بن الخطاب قال: من عمل منكم: حمدناه، ومن لم يعمل: اتهمناه؛ وقال: يا معشر القراء، ارفعوا رؤوسكم، ولا تزيدوا الخشوع على ما في القلب؛ استبقوا في الخيرات، ولا تكونوا عيالًا على الناس؛ فقد وضح الطريق؛ وقال علي بن أبي طالب: إن الذي يعيش من أيدي الناس: كالذي يغرس شجرة في أرض غيره.
فاتق الله يا أخي، فإنه ما نال أحد من الناس شيئًا، إلا صار حقيرًا ذليلًا عند الناس، والمؤمنون شهود الله في الأرض.
وإياك أن تكسب خبيثًا، فتنفقه في طاعة الله؛ فإن تركه فريضة، من الله واجبة، وإنه طيب، لا يقبل إلا طيبًا؛ أرأيت رجلًا أصاب ثوبه بول، ثم أراد أن يطهره، فغسله ببول آخر، أترى كان ذلك يطهره؟ كلا، إن القذر لا يطهر إلا بطيب؛ فكذلك: لا تمحى السيئة، إلا بالحسنة؛ وإن الله طيب، لا يقبل إلا الطيب؛ وإن الحرام: لا يقبل في شيء من الأعمال؛ أو: هل عمل أحد ذنبًا، فمحاه بذنب؟.
(7/ 71ـ72)
* عن أبي محمد البلخي قال: قرأت كتاب إبراهيم بن أدهم إلى عبد الملك مولاه؛ أما بعد: أوصيك بتقوى الله، إنه جاءني كتابك ـ فوصلك الله ـ تذكر ما جرى بيننا، فمن رعى حق الله: وفر حظه، وسلم منه الناس؛ ومن ترك حظه، ولم يراقب حقه: ولع به الناس؛ وذلك إلى الله، ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله.
ثم إن القوم ناس مثلكم: يغضبون، ويرضون؛ فكان الذي يقومهم: إليه يرجعون، وبه يقنعون، وبه يأخذون، وبه يعطون؛ فأثنى عليهم أحسن الثناء، فاقتدوا بآثارهم وأفعالهم، حتى أنتم على ملتهم، وتمنون منازلهم.
ثم إن الله تعالى أحسن إلينا، وأبقانا بعد الجيران؛ فنعوذ بالله أن يكون إبقاؤنا لشر، فإنه لا يؤمن مكره؛ والأعمال بالخواتيم، وإنه من خافه: لم يصنع ما يحب، ولم يتكلم بما يشتهي؛ وينبغي لصاحب الدين: أن يرجو في الكلام ما يرجو في الفعل، وأن يخاف منه ما يخاف من الفعل، وذلك إلى الله.
فان استطعت: أن لا يكون عندك أحد هو آثر من الله، فراقبه في الغضب والرضا؛ فإنه يعلم السر وأخفى، ويغفر، ويعذب؛ ولا منجى منه إلا إليه؛ فإن استطعت: أن تكف عما لا يعنيك، وأن تنظر لنفسك؛ فإنه لا يسعى لك غيرك.
إن الناس قد طلبوا الدنيا: بالغضب، والرضا؛ فلم ينالوا منها حاجتهم، وإنه من أراد الآخرة: كان الناس منه في راحة، لا يخدع من ذلها، ولا ينازعهم في عزها؛ هو من نفسه في شغل، والناس منه في راحة.
فاتق الله، وعليك بالسداد؛ فإن من مضى: إنما قدموا على أعمالهم، ولم يقدموا على الشرف، والصوت، والذكر؛ فإن الله تعالى أبى، إلا عدلًا؛ أعاننا الله وإياكم على ما خلقنا له، وبارك لنا ولكم في بقية العمر، فما شاء الله.
وأما ما ذكرت من أمر القصر، فلا تشقوا على أنفسكم: إن جاءكم أمر في عافية، فلله الحمد؛ وإن كانت بلية، فلا تعدلوا بالسلامة؛ فإنه من ترك من أمره ما لا ينبغي: أحق بالجزع منكم؛ إنا قد أيقنا: أن الناس لا يذهبون بحقوق الناس، والله معط كل ذي حق حقه، وسعي الناس: لهم وعليهم، والجزاء غدًا؛ فإن استطعتم: أن لا تلقوا الله بمظالم؛ فأما ما ظلمتم: فلا تخافوا الغلبة، فإن الله تعالى لا يعجزه شيء.
فمن علم أن الأمور هكذا: فليكبر على نفسه، وليقض ما عليها؛ فإن غدًا أشده، وأضره؛ حسبنا الله ونعم الوكيل؛ وأما من بقي من بقية الجيران، فاقرهم السلام، فقد طال العهد.
(8/ 14ـ15)
* عن مبارك أبي حماد ـ مولى إبراهيم بن سلم، بعين رزية ـ قال: سمعت سفيان الثوري يقرأ على علي بن الحسين ـ من أهل الكوفة، رجل من بني سليم، ممن كان أقطع له عمر بن الخطاب الخورنق ـ رسالة سفيان بن سعيد إلى أخ له: بمواعظ، وشرائع من الدين، وأدب؛ عافانا الله وإياك من النار برحمته؛ وأوصيك وإياي بتقوى الله، وأحذرك أن تجهل بعد إذ علمت، وتهلك بعد إذ أبصرت، وتدع الطريق بعد إذ وضح لك، وتغتر بأهل الدنيا: بطلبهم لها، وحرصهم عليها، وجمعهم لها؛ فإن الهول شديد، والخطر عظيم، والأمر قريب؛ وكان قد كان، وتفرغ وفرغ قلبك، ثم الجد الجد، والوحا الوحا، والهرب الهرب، وارتحل الى الآخرة قبل أن يرتحل بك، واستقبل رسل ربك، وانكمش واشدد مئزرك، من قبل أن يقضى قضاؤك، ويحال بينك وبين ما تريد.
فقد وعظتك بما وعظت به نفسي، والتوفيق من الله، ومفتاح التوفيق: الدعاء، والتضرع، والاستكانة، والندامة على ما فرطت؛ ولا تضيع حقك من هذه الأيام والليالي؛ أسأل الله الذي من علينا بمعرفته: أن لا يكلنا وإياك إلى أنفسنا، وأن يتولى منا ومنك ما يتولى من أوليائه وأحبابه.
ثم إياك وما يفسد عليك عملك، فإنما يفسد عليك عملك: الرياء؛ فإن لم يكن رياء: فإعجابك بنفسك، حتى يخيل إليك: أنك أفضل من أخ لك؛ وعسى: أن لا تصيب من العمل مثل الذي يصيب؛ ولعله أن يكون هو أورع منك عما حرم الله، وأزكى منك عملًا.
فإن لم تكن معجبًا بنفسك، فإياك أن تحب محمدة الناس، ومحمدتهم: أن تحب أن يكرموك بعملك، ويروا لك به شرفًا ومنزلة في صدورهم، أو حاجة تطلبها إليهم في أمور كثيرة؛ فإنما تريد بعملك: زعمت وجه الدار الآخرة، لا تريد به غيره.
فكفى بكثرة ذكر الموت، مزهدًا في الدنيا، ومرغبًا في الآخرة؛ وكفى بطول الأمل: قلة خوف، وجرأة على المعاصي؛ وكفى بالحسرة والندامة يوم القيامة: لمن كان يعلم، ولا يعمل.
(6/ 391ـ392)
* عن عبد الله بن صالح قال: سمعت ابن السماك، وكتب إلى أخ له؛ أما بعد: أوصيك بتقوى الله: الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك؛ فاجعل الله في بالك، على حالك في ليلك ونهارك، وحب الله بقدر قربه منك، وقدرته عليك؛ فاعلم أنك بعينه، ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره؛ فليعظم منه حذرك، وليكثر منه وجلك.
واعلم، أن الذنب من العاقل: أعظم من الذنب من الأحمق، والذنب من العالم: أعظم من الذنب من الجاهل، والذنب من الغني: أعظم من الذنب من الفقير.
وقد أصبحنا أذلاء رغماء، والذليل: لا ينام في البحر؛ وقد كان عيسى عليه السلام يقول: حتى متى تصفون الطريق للذاكرين؟ وأنتم مقيمون في محلة المتجبرين، تضعون البعوض من شرابكم، وتشترطون الجمال بأجمالها.
* عن محمد بن حميد بن عبد الرحمن بن يوسف الأصبهاني قال: وجدت كتابًا عند جدي عبد الرحمن من أخيه محمد بن يوسف، إلى عبد الرحمن ابن يوسف: سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد: فإني أحذرك متحولك من دار مهلتك إلى دار إقامتك، وجزاء أعمالك، فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها، فيأتيانك منكر ونكير، فيقعدانك؛ فإن يكن الله معك: فلا بأس، ولا وحشة، ولا فاقة؛ وإن يكن غير ذلك، فأعاذني الله وإياك من سوء مصرع، وضيق مضجع.
ثم يتبعك صيحة الحشر، ونفخ الصور الجبار بعد فصل القضاء للخلائق؛ فخلت الأرض من أهلها، والسماوات من سكانها؛ فبادرت الأسرار، وأسعرت النار، ووضعت الموازين، وجيء بالنبيين والشهداء وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر: 75] ؛ فكم من مفتضح ومستور، وكم من هالك وناج، وكم من معذب ومرحوم؛ فيا ليت شعري، ما حالي وحالك يومئذ؟ ففي هذا: ما هدم اللذات، وسلا عن الشهوات، وقصر الأمل، واستيقظ الباغون، وحذر الغافلون.
أعاننا الله وإياك على هذا الخطر العظيم، وأوقع الدنيا والآخرة من قلبي وقلبك موقعها بين قلوب المتقين؛ فإنما نحن به وله.
* كتب محمد بن يوسف الأصبهاني إلى بعض إخوانه: أقرئ من أقرأنا منه السلام، وتزود لآخرتك، وتجاف عن دنياك، واستعد للموت، وبادر الفوت؛ واعلم أن أمامك أهوالًا وأفزاعًا، قد فزعت منها الأنبياء والرسل .... والسلام.
(8/ 235ـ236)
* قال رجل لمحمد بن واسع: أوصني. قال: أوصيك أن تكون ملكًا في الدنيا والآخرة؛ قال: كيف لي بذلك؟ قال: ازهد في الدنيا.
* عن عبد العزيز بن أبي الرواد قال: دخلت على المغيرة بن حكيم في مرضه الذي مات فيه؛ قلت: أوصني؛ فقال: اعمل لهذا المضجع.
* عن عبد الواحد بن زيد قال: يا معشر إخواني، عليكم بالخبز والملح؛ فإنه يذيب شحم الكلى، ويزيد في اليقين.
* قيل لمعروف الكرخي في علته: أوص؛ فقال: إذا مت، فتصدقوا بقميصي هذا؛ فإني أحب أن أخرج من الدنيا عريانًا، كما دخلت إليها عريانًا.
* قال رجل لعمر بن عبد العزيز: أوصني؛ قال: أوصيك بتقوى الله، وإيثاره: تخف عليك المؤونة، وتحسن لك من الله المعونة.
* كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: أوصيك بتقوى الله: الذي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها؛ فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل.
* عن أبان بن أبي راشد القشيري قال: كنت إذا أردت الصائفة: أتيت ميمون بن مهران أودعه؛ فما يزيد على كلمتين: اتق الله، ولا يغيرك طمع، ولا غضب.
* عن علي بن خشرم قال: كتب إلي بشر بن الحارث ـ أبو نصر ـ إلى أبي الحسن ـ علي بن خشرم ـ: السلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد: فإني أسأل الله: أن يتم ما بنا وبكم من نعمة، وأن يرزقنا وإياكم الشكر على إحسانه، وأن يميتنا ويحيينا وإياكم على الإسلام، وأن يسلم لنا ولكم خلفًا من تلف، وعوضًا من كل رزية.
أوصيك بتقوى الله يا علي، ولزوم أمره، والتمسك بكتابه؛ ثم اتباع آثار القوم الذين سبقونا بالإيمان، وسهلوا لنا السبل؛ فاجعلهم نصب عينيك، وأكثر عرض حالاتهم عليك: تأنس بهم في الخلاء، ويغنوك عن مشاهدة الملأ؛ فمثل حالهم، كأنك تشاهدهم؛ فمجالسة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم: أوفق من مجالسة الموتى، ومن يرقب منك زلتك وسقطتك إن قدر عليها؛ فإن لم يقدر عليها: جعل جليسًا أن رآه عندك عيبك، فرماك بما لم يره الله منك.
واعلم ـ علمك الله الخير، وجعلك من أهله ـ أن أكثر عمرك ـ فيما أرى ـ قد انقضى، ومن يرضى حاله قد مضى؛ وأنت لاحق بهم، وأنت مطلوب؛ ولا تعجز طالبك وأنت أسير في يديه، وكل الخلق في كبريائه صغير، وكلهم إليه فقير؛ فلا يشغلنك كثرة من يحبك، وتضرع إليه: تضرع ذليل إلى عزيز، وفقير إلى غني، وأسير لا يجد ملجأ، ولا مفرًا يفر إليه عنا؛ وخائف مما قدمت يداه: غير واثق على ما يقدم.
لا يقطع الرجاء، ولا يدع الدعاء، ولا يأمن من الفتن والبلاء؛ فلعله إن رآك كذلك: عطف عليك بفضله، وأمدك بمعونته، وبلغ بك ما تأمله من عفوه ورحمته؛ فافزع إليه في نوائبك، واستعنه على ما ضعفت عنه قوتك؛ فإنك إذا فعلت ذلك: قربك بخضوعك له، ووجدته أسرع إليك من أبويك، وأقرب إليك من نفسك؛ وبالله التوفيق، وإياه أسأل خير المواهب لنا ولك.
واعلم يا علي، أنه: من ابتلي بالشهرة ومعرفة الناس، فمصيبته جليلة، فجبرها الله لنا ولك بالخضوع والاستكانة، والذل لعظمته؛ وكفانا وإياك فتنتها، وشر عاقبتها؛ فإنه تولى ذلك من أوليائه، ومن أراد توفيقه.
وارجع إلى أقرب الأمرين بك إلى إرضاء ربك، ولا ترجعن بقلبك إلى محمدة أهل زمانك ولا ذمهم؛ فإن من كان يتقي ذلك منه: قد مات؛ وإنارة إحياء القلوب: من صالح أهل زمانك؛ وإنما أنت في محل موتي، ومقابر أحياء: ماتوا عن الآخرة، ودرست عن طرقها آثارهم.
هؤلاء أهل زمانك، فتوار مما لا يستضاء فيها بنور الله، ولا يستعمل فيها كتابه إلا من عصم الله؛ ولا تبال من تركك منهم، ولا تأس على فقدهم؛ واعلم: أن حظك في بعدهم، أوفر من حظك في قربهم؛ وحسبك الله، فاتخذه أنيسًا، ففيه الخلف منهم.
فاحذر أهل زمانك، وما العيش مع من يظن به في زمانك الخير، ولا مع من يسيء به الظن خير؛ وما ينبغي أن يكون طلعة أبغض إلى عاقل تهمه نفسه، من طلعة إنسان في زمانك؛ لأنك منه على شرف فتنة إن جالسته، ولا تأمن البلاء إن جانبته؛ وللموت في العزلة، خير من الحياة.
وإن ظن رجل: أن ينجو من الشر، يأمن خوف فتنة: فلا نجاة له؛ إن أمكنتهم من نفسك: آثموك، وإن جانبتهم: أشركوك؛ فاختر لنفسك، واكره لها ملابستهم؛ وأرى: أن الفضل اليوم ما هو إلا في العزلة، لأن السلامة فيها؛ وكفى بالسلامة فضلًا.
اجعل أذنك عما يؤثمك صماء، وعينك عنه عمياء؛ إحذر سوء الظن، فقد حذرك الله تعالى ذلك؛ وذلك قوله تعالى: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12] . والسلام.
(8/ 341ـ343)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)