* عن مبارك أبو حماد ـ مولى إبراهيم بن سام ـ؛ قال: سمعت سفيان الثوري، يقرأ على علي بن الحسن السليمي: يا أخي، لا تغبط أهل الشهوات بشهواتهم، ولا ما يتقلبون فيه من النعمة؛ فإن أمامهم يومًا تزل فيه الأقدام، وترعد فيه الأجسام، وتتغير فيه الألوان، ويطول فيه القيام، ويشتد فيه الحساب، وتتطاير فيه القلوب، حتى تبلغ الحناجر.
فيا لها من ندامة، على ما أصابوا من هذه الشهوات؛ اجعل كسبك فيما يكون لك، ولا تجعل كسبك فيما يكون عليك؛ فإن الذي يقدم ماله، ويعطي حق الله منه: فماله له، وأفضل منه؛ والذي يخلف ماله، ويضيع حق الله فيه: فماله وبال عليه يوم القيامة.
اكسب حلالًا، واجلس مع من كسبه من حلال، وكل طعام من كسبه من حلال؛ وليكن أهل مشورتك من كسبه من حلال، فان الورع: ملاك الدين، واستكمال أمر الآخرة.
واعلم، أنه يا أخي: لا يمتنع أحد عن الحرام، إلا من هو مشفق على لحمه ودمه؛ فإنما دينك: لحمك ودمك؛ فاجتنب الحرام، ولا تجلس مع من يكسب الحرام، ولا تأكل مع من كسبه من حرام، ولا تدل أحدًا على الحرام، ولا تشيرن به إلى أحد فيأخذه، ولا تورثه إلى أحد؛ وانصح لكل بر وفاجر: أن لا يأخذه؛ فإن فعلت من ذلك شيئًا، فأنت عون له، والعون شريك.
وإياك والظلم، وأن تكون عونًا للظالم، وأن تصحبه، أو تؤاكله، أو تبتسم في وجهه، أو تنال منه شيئًا: فتكون عونًا له، والعون شريك.
لا تخالفن أهل التقوى، ولا تخادن أهل الخطايا، ولا تجالس أهل المعاصي، واجتنب المحارم كلها، واتق أهلها.
وإياك والأهواء، فإن أولها وآخرها باطل؛ ولكل ذنب توبة، وترك الذنب أيسر من طلب التوبة؛ وإن الله غفور رحيم لأهل المعاصي، رحيم للتوابين، حليم ودود؛ وإياك أن تزداد بحلمه عنك: جرأة على المعصية، فإن الله لم يرض لانبيائه المعصية، والحرام، والظلم؛ فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51] . ثم قال للمؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267] . ثم أجملها، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168] . وأعلم يا أخي، أنه لم يرض لأنبيائه، ولا للمؤمنين، ولا للمشركين: حرامًا؛ ولا تتهاون بالذنب الصغير، ولكن انظر: من عصيت؟ عصيت ربًا عظيمًا، يعاقب على الصغير، ويتجاوز عن الكبير.
وإن أكيس الكيس: من يدخل الجنة بذنب عمله، فنصبه بين عينيه، ثم لم يزل حذرًا على نفسه من تلك الخطيئة، حتى فارق الدنيا، ودخل الجنة.
وإن أحمق الحمق: من دخل النار بحسنة واحدة، نصبها بين عينيه، ولم يزل يذكرها، ويرجو ثوابها، ويتهاون بالذنوب، حتى فارق الدنيا، ودخل النار.
فكن يا أخي: كيسًا، حذرًا على ما زل منك ومضى، لا تدري ماذا يفعل بك ربك فيه؛ وما بقي من عمرك: لا تدري ماذا يحدث لك فيها؛ فإن إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن: حذر على نفسه، فسأل ربه؛ فقال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] . وقال يوسف عليه السلام: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] . وقال موسى عليه السلام: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17] . وقال شعيب عليه السلام: {مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا} [الأعراف: 89] . فهؤلاء أنبياؤه، خافوا على أنفسهم؛ وإنما المسلم: من سلم المسلمون من لسانه ويده.
(7/ 24ـ25)
* عن عطاء الخراساني، أنه كان يومي في حديثه، يقول: إني لا أوصيكم بدنياكم، أنتم بها مستوصون، وأنتم عليها حراص؛ وإنما أوصيكم بآخرتكم، تعلمن: أنه لن يعتق عبد، وإن كان في الشرف والمال؛ وإن قال: أنا فلان ابن فلان، حتى يعتقه الله تعالى من النار؛ فمن أعتقه الله من النار عتق، ومن لم يعتقه الله من النار: كان في أشد هلكة هلكهًا أحد قط.
فجدوا في دار المعتمل لدار الثواب، وجدوا في دار الفناء لدار البقاء؛ فإنما سميت الدنيا: لأنها أدنى فيها المعتمل؛ وإنما سميت الآخرة: لأن كل شيء فيها مستأخر؛ ولأنها دار ثواب: ليس فيها عمل، فألصقوا إلى الذنوب إذا أذنبتم إلى كل ذنب: اللهم، اغفر لي؛ فإنه التسليم لأمر الله؛ وألصقوا إلى الذنوب: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله رب العالمين، وسبحان الله وبحمده، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله وأتوب إليه.
فإذا نشرت الصحف، وجاء هذا الكلام، قد ألصقه كل عبد إلى خطاياه: رجا بهذا الكلام المغفرة، وأذهبت هذه الحسنات سيئاته؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] .
فمن خرج من الدنيا بحسنات وسيئات: رجا بها مغفرة لسيئاته؛ ومن أصر على الذنوب، واستكبر عن الاستغفار: خرج ذلك اليوم مصرًا على الذنوب، مستكبرًا عن الاستغفار، قاصه الحساب، وجازاه بعمله.
إلا من تجاوز عنه المتجاوز الكريم، فإنه لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وهو سريع الحساب.
واجعلوا الدنيا كشيء فارقتموه، فوالله، لتفارقنها؛ واجعلوا الموت كشيء ذقتموه، فوالله، لتذوقنه؛ واجعلوا الآخرة كشيء نزلتموه، فوالله، لتنزلنها؛ وهي دار الناس كلهم.
ليس من الناس أحد يخرج لسفر، إلا أخذ له أهبته، وتجهز له بجهازه، وأخذ للحر ظلالة، وللعطش مزادًا، وللبرد لحافًا؛ فمن أخذ لسفره الذي يصلحه، اغتبط؛ ومن خرج إلى سفر لم يتجهز له بجهازه، ولم يأخذ له أهبته: ندم؛ فإذا أضحى: لم يجد ظلًا؛ وإذا ظمئ: لم يجد ماء يتروى به؛ وإذا وجد البرد: لم يجد لذلك لحافًا؛ فلا أرى رجلًا أندم منه.
وإنما هذا سفر الدنيا ينقطع عنه، ولا يقيم فيه؛ فأكيس الناس: من قام يتجهز لسفر لا ينقطع، فأخذ في الدنيا لظمأ لا يروى؛ فمن آواه الله في ظل عرشه: لم يضح أبدًا؛ ومن أضحى يومئذ: لم يستظل أبدًا؛ ومن قام، فأخذ لري: لم يعطش أبدًا؛ فإن من عطش يومئذ: لم يرو أبدًا؛ ومن قام فأخذ لكسوته: لم يعر أبدًا؛ فإنه من عري يومئذ: لم يكس أبدًا.
لم يأت أحد من الناس ببرائتين؛ واحدة: منهن بعد هول المطلع، والثانية: في القيام بين يدي الجبار تعالى: يقضي في رقاب خلقه ما يشاء، لا شريك له.
(5/ 194ـ195)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)