* عن عمر بن عبد الملك الكناني قال: صحب ابن محيريز رجلًا في الساقة في أرض الروم، فلما أردنا أن نفارقه؛ قال له ابن محيريز: أوصني، قال: إن استطعت أن تعرف ولا تعرف، فأفعل؛ وإن استطعت أن تمشي ولا يمشى إليك، فافعل؛ وان استطعت أن تسأل، ولا تسأل، فأفعل.
* عن ابن محيريز قال: صحبت فضالة ابن عبيد صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقلت: أوصني رحمك الله؛ قال: احفظ عني ثلاث خصال، ينفعك الله بهن؛ إن استطعت أن تعرف ولا تعرف، فافعل؛ وإن استطعت أن تسمع ولا تتكلم، فافعل؛ وإن استطعت أن تجلس ولا يجلس إليك، فافعل.
* كان ابن وهب يقول: طوبى لمن نظر في عيبه عن عيب غيره، وطوبى لمن تواضع لله من غير مسكنة، ورحم أهل الذل والمسكنة، وتصدق من مال جمع من غير معصية، وجالس أهل العلم والحلم، وأهل الحكمة؛ ووسعته السنة، ولم يتعدها إلى البدعة.
* كتب سفيان إلى عباد بن عباد: أما بعد، فإنك في زمان كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعوذون أن يدركوه، ولهم من العلم ما ليس لنا، ولهم من القدم ما ليس لنا؛ فكيف بنا حين أدركناه: على قلة علم، وقلة صبر، وقلة أعوان على الخير، وفساد من الناس، وكدر من الدنيا؛ فعليك بالأمر الأول والتمسك به، وعليك بالخمول، فإن هذا زمن خمول.
وعليك بالعزلة، وقلة مخالطة الناس؛ فقد كان الناس إذا التقوا: ينتفع بعضهم ببعض؛ فأما اليوم: فقد ذهب ذاك، والنجاة في تركهم فيما نرى.
وإياك والأمراء: أن تدنو منهم، وتخالطهم في شيء من الأشياء؛ وإياك أن تخدع، فيقال لك: تشفع، وتدرأ عن مظلوم، أو ترد مظلمة؛ فإن ذلك خديعة إبليس؛ وإنما اتخذها فجار القراء سلمًا؛ وكان يقال: اتقوا فتنة العابد الجاهل، والعالم الفاجر، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون.
وما لقيت من المسألة والفتيا: فاغتنم ذلك، ولا تنافسهم فيه؛ وإياك أن تكون كمن يحب أن يعمل بقوله، أو ينشر قوله، أو يسمع من قوله؛ فإذا ترك ذاك منه: عرف فيه.
وإياك وحب الرياسة؛ فإن الرجل: تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة؛ وهو باب غامض، لا يبصره إلا البصير من العلماء بالسماسرة؛ فتفقد نفسك، واعمل بنية؛ واعلم: أنه قد دنا من الناس أمر: يشتهى الرجل أن يموت، والسلام.
(6/ 376ـ377)
* عن أبي سهل الحسن، قال: كنت جالسًا عند يوسف بن أسباط؛ فقال: اكتبوا إلى حذيفة؛ أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، والعمل بما علمك الله، والمراقبة حيث لا يراك أحد إلا الله، والاستعداد لما لا حيلة لأحد في دفعه، ولا ينتفع بالندم عند نزوله؛ فاحسر عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الموتى، وشمر الساق؛ فإن الدنيا ممر السابقين، فلا تكن ممن قد أظهر الشك، وتشاغل بالوصف، وترك العمل بالموصوف له؛ فإن لنا ولك من الله مقامًا يسألنا فيه عن الرمق الخفي، وعن الخليل الجافي؛ ولست آمن أن يكون فيما يسألني ويسألك عنه: وساوس الصدور، ولحاظ الأعين، وإصغاء الأسماع، وما يصخر مثل عن صفة مثله.
اعلم، أن مما يوصف به منافقو هذه الأمة: أنهم خالطوا أهل الدين بأبدانهم، وفارقوهم بأهوائهم، وخففوا مما سعوا من الحق، ولم ينتهوا عن خبيث فعالهم؛ إذ ذهبوا إليه، فنازعوا في ظاهر أعمال البر بالمحامل والرياء، وتركوا باطن أعمال البر مع السلامة، والتقى كثرت أمالهم بلا تصحيح، فأحرمهم الله الثمن الربيح.
واعلم يا أخي: أنه لا يجزينا من العمل القول، ولا من الفعل، ولا من البدل العدة؛ ولا من التوقي التلاوم، وقد صرنا في زمان هذه صفة أهله؛ فمن يكن كذلك: فقد تعرض للمهالك.
إحذر القراء المصغين، والعلماء المتحرين؛ حيوا بطرق، وصدوا الناس عن سبيل الهوى؛ وفقنا الله وإياك لما يحب والسلام.
* عن ذي النون وأتاه رجل فقال: يا أبا الفيض، دلني على طريق الصدق والمعرفة؛ فقال: يا أخي، أد إلى الله صدق حالتك التي أنت عليها، على موافقة الكتاب والسنة؛ ولا ترق حيث لم ترق، فتزل قدمك؛ فإنه إذا زل بك: لم تسقط؛ وإذا ارتقيت أنت: تسقط؛ وإياك أن تترك ما تراه يقينا، ترجوه شكا.
* عن علي بن المديني قال: قال لي أحمد بن حنبل: إني لأحب أن أصحبك إلى مكة؛ وما يمنعني من ذاك، إلا أني أخاف: أن أملك، أو تملني؛ قال: فلما ودعته، قلت له: يا أبا عبد الله، توصيني بشيء؛ قال: نعم، الزم التقوى قلبك، وانصب الآخرة أمامك.
* عن محمد بن إشكاب الصفار: حدثني رجل من أهل داود الطائي؛ قال: قلت له يومًا: يا أبا سليمان، قد عرفت الرحم بيننا، فأوصني؛ قال: فدمعت عيناه، ثم قال لي: يا أخي، إنما الليل والنهار مراحل، تنزل بالناس مرحلة مرحلة، حتى تنتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم؛ فإن استطعت: أن تقدم في كل يوم مرحلة زادًا لما بين يديه، فافعل؛ فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو، والأمر أعجل من ذلك؛ فتزود لسفرك، واقض ما أنت قاض من أمرك؛ فكأنك بالأمر قد بغتك؛ إني لأقول هذا، وما أعلم أحدًا أشد تضييعًا مني لذلك، ثم قام.
(7/ 345ـ346)
* كتب إبراهيم بن أدهم إلى بعض إخوانه: أما بعد: فعليك بتقوى الله، الذي لا تحل معصيته، ولا يرجى غيره؛ واتق الله، فإنه من اتقى الله عز وجل: عز، وقوي، وشبع، وروي، ورفع عقله عن الدنيا؛ فبدنه منظور بين ظهراني أهل الدنيا، وقلبه معاين للآخرة، فأطفأ بصر قلبه ما أبصرت عيناه من حب الدنيا؛ فقذر حرامها، وجانب شهواتها، وأضر بالحلال الصافي منها، إلا ما لا بد له: من كسرة يشد بها صلبه، أو ثوب يواري به عورته، من أغلظ ما يقدر عليه وأخشنه؛ ليس له ثقة ولا رجاء، إلا الله؛ قد رفعت ثقته ورجاؤه من كل شيء مخلوق، ووقعت ثقته ورجاؤه على خالق الأشياء، فجد، وهزل، وأنهك بدنه لله، حتى غارت العينان، وبدت الأضلاع؛ وأبدله الله تعالى بذلك: زيادة في عقله، وقوة في قلبه، وما دخر له في الآخرة أكثر؛ فارفض يا أخي الدنيا، فإن حب الدنيا يصم ويعمي، ويذل الرقاب؛ ولا تقل: غدًا، وبعد غد؛ فإنما هلك من هلك: بإقامتهم على الأماني، حتى جاءهم الحق بغتة وهم غافلون، فنقلوا على إصرارهم إلى القبور، المظلمة الضيقة، وأسلمهم الأهلون والولد؛ فانقطع إلى الله بقلب منيب، وعزم ليس فيه شك؛ والسلام.
(8/ 18ـ19)
* عن يوسف بن الحسن قال: قال ذو النون المصري يومًا ـ وأتاه رجل ـ، فقال له: أوصني؛ فقال: بم أوصيك؟ إن كنت ممن قد أيد منه في علم الغيب بصدق التوحيد، فقد سبق لك قبل أن تخلق إلى يومنا؛ هذا دعاء النبيين، والمرسلين، والصديقين؛ وذلك خير من وصيتي لك، وإن يكن غير ذلك فلن ينفعك النداء.
* عن أبي تراب: سمعت محمد بن شقيق بن إبراهيم البلخي، وحاتمًا الأصم يقولان: كان لشقيق وصيتان:
إذا جاءه رجل من العرب، يوصه بالعربية، ويقول: توحد الله بقلبك، ولسانك، وشفتك؛ وأن تكون بالله أوثق مما في يديك؛ والثالث: أن ترضى عن الله.
وإذا جاءه أعجمي، قال: احفظ مني ثلاث خصال؛ أول خصلة: أن تحفظ الحق، وأن يكون الحق، إلا بالاجتماع؛ فإذا اجتمع الناس، فقالوا: إن هذا الحق، يعمل ذلك الحق، يريد الثواب مع الإياس من الخلق؛ ولا يكون الباطل باطلًا، إلا بالاجتماع؛ فإذا اجتمعوا، وقالوا: إن هذا باطل؛ تركت هذا الباطل خوفًا من الله تعالى، مع الإياس من المخلوقين؛ فإذا كنت لا تعلم هذا الشيء: حق هو، أم باطل؛ فينبغي لك: أن تقف، حتى تعلم هذا الشيء: حق هو، أو باطل؛ فانه حرام عليك: أن تدخل في شيء من الأشياء، إلا أن يكون معك بيان ذلك الشيء وعلمه.
* عن مالك بن أنس قال: حدثني من أرضى: أن عمر بن الخطاب أوصى رجلًا؛ فقال: لا تعترض فيما لا يعنيك، واجتنب عدوك، واحذر خليلك؛ ولا أمير من القوم: إلا من خشي الله؛ والأمين من القوم: لا تعدل به شيئًا؛ ولا تصحبن فاجرًا: كي تعلم من فجوره، ولا تفش إليه سرك؛ واستشر في أمرك: الذين يخشون الله.
(6/ 328ـ329)
* عن يوسف بن الحسين قال: قلت لذي النون لما أردت توديعه: أوصني رضي الله عنك بوصية أحفظها عنك؛ فقال: لا تكن خصمًا لنفسك على ربك، مستزيدة في رزقك وجاهك؛ ولكن خصمًا لربك على نفسك، فإنه لا يجتمع معك عليك؛ ولا تلقين أحدًا بعين لازدراء والتصغير؛ وإن كان مشركًا: خوفًا من عاقبتك، وعاقبته؛ فلعلك تسلب المعرفة، ويرزقها.
(9/ 382ـ383)
* عن إبراهيم بن بشار قال: كتب عمر بن المنهال القرشي إلى إبراهيم بن أدهم، وهو بالرملة: أن عظني عظة أحفظها عنك؛ فكتب إليه: أما بعد: فإن الحزن على الدنيا طويل، والموت من الإنسان قريب، وللنفس منه في كل وقت نصيب، وللبلى في جسمه دبيب؛ فبادر بالعمل قبل أن تنادى بالرحيل، واجتهد في العمل في دار الممر، قبل أن ترحل إلى دار المقر.
(8/ 17ـ18)
* عن عبد الله بن إدريس قال: قلت لداود الطائي: أوصني؛ قال: أقلل معرفة الناس؛ قلت: زدني؛ قال: ارض باليسير من الدنيا، مع سلامة الدين؛ كما رضي أهل الدنيا بالدنيا، مع فساد الدين؛ قلت: زدني؛ قال: اجعل الدنيا: كيوم صمته، ثم أفطر على الموت.
* عن خالد بن خداش قال: ودعت مالك بن أنس؛ فقلت: أوصني يا أبا عبد الله؛ قال: تقوى الله، وطلب الحديث من عند أهله.
* عن طاهر بن أحمد الزبيري: ثنا أبي، قال: كتب رجل من إخوان سفيان الثوري إلى سفيان الثوري: أن عظني، فأوجز؛ فكتب إليه: عافانا الله وإياك من السوء كله؛ يا أخي، إن الدنيا: غمها لا يفنى، وفرحها لا يدوم، وفكرها لا ينقضي؛ فاعمل لنفسك: حتى تنجو؛ ولا تتوان: فتعطب؛ والسلام.
* عن إبراهيم بن بشار قال: سمعت إبراهيم يقول: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال لخالد بن صفوان: عظني، وأوجز؛ فقال خالد: يا أمير المؤمنين، إن أقوامًا غرهم ستر الله، وفتنهم حسن الثناء؛ فلا يغلبن جهل غيرك بك: علمك بنفسك؛ أعاذنا الله وإياك: أن نكون بالستر مغرورين، وبثناء الناس مسرورين، وعما افترض الله علينا متخلفين ومقصرين، وإلى الأهواء مائلين.
قال: فبكى، ثم قال: أعاذنا الله وإياك من اتباع الهوى.
* عن مكي بن إبراهيم قال: كان إبراهيم بن أدهم بمكة؛ فسئل: ما يبلغ من كرامة المؤمن على الله عز وجل؟ قال: يبلغ من كرامته على الله تعالى: لو قال للجبل: تحرك، لتحرك؛ فتحرك الجبل، فقال: ما إياك عنيت.
* عن حبيب بن عبد الله: أن رجلا أتى أبا الدرداء، وهو يريد الغزو؛ فقال: يا أبا الدرداء، أوصني؛ فقال: أذكر الله في السراء، يذكرك في الضراء؛ وإذا أشرفت على شيء من الدنيا، فانظر إلى ما يصير.
* قال رجل لمحمد بن واسع: أوصني؛ قال: أوصيك أن تكون ملكًا في الدنيا والآخرة؛ قال: كيف لي بذلك؟ قال: إزهد في الدنيا.
* قال رجل لعبد الله بن مسعود: أوصني يا أبا عبد الرحمن؛ قال: ليسعك بيتك، واكفف لسانك، وابك على ذكر خطيئتك.
* عن الشافعي قال: قال رجل لأبي بن كعب ـ أحسبه تابعيًا، أو صحابيًا ـ عظني، ولا تكثر علي فأنس؛ فقال له: اقبل الحق ممن جاءك به، وإن كان بعيدًا، بغيضًا؛ واردد الباطل على من جاءك به، وإن كان حبيبًا قريبًا. وقال أيضا لأبي: يا أبا المنذر، عظني؛ قال: وأخ الإخوان على قدر تقواهم، ولا تجعل لسانك بذلة لمن لا يرى فيه؛ ولا تغبط الحي، إلا بما تغبط الميت.
* عن أحمد بن يونس قال: سمعت رجلًا يقول لسفيان ـ الثوري ـ: يا أبا عبد الله، أوصني؛ قال: إياك والأهواء، إياك والخصومة، إياك والسلطان.