المعتمد من المنقول فيما أوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ص: 488
«نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكّة» «1» .
عن الدارمي: عن الضّحّاك بن موسى قال: مرّ سليمان بن عبد الملك بالمدينة وهو يريد مكّة فأقام بها أيّاما فقال هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا له أبو حازم. فأرسل إليه فلمّا دخل عليه قال له: يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين وأيّ جفاء رأيت منّي؟ قال: أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني.
قال: يا أمير المؤمنين أعيذك باللّه أن تقول ما لم يكن ما عرفتني قبل هذا اليوم ولا أنا رأيتك. قال: فالتفت سليمان إلى محمّد بن شهاب الزّهريّ فقال: أصاب الشّيخ وأخطأت. قال سليمان: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنّكم أخربتم الآخرة وعمّرتم الدّنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب. قال: أصبت يا أبا حازم فكيف القدوم غدا على اللّه؟ قال: أمّا المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأمّا المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان وقال: ليت شعري ما لنا عند اللّه قال: اعرض عملك على كتاب اللّه. قال: وأيّ مكان أجده؟ قال: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: 13، 14] قال سليمان: فأين رحمة اللّه يا أبا حازم؟ قال أبو حازم: قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: 56] . قال له سليمان: يا أبا حازم فأيّ عباد اللّه أكرم؟ قال: أولو المروءة والنّهى. قال له سليمان: فأيّ الأعمال أفضل؟ قال أبو حازم: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم. قال سليمان: فأيّ الدّعاء أسمع؟ قال أبو حازم: دعاء المحسن إليه للمحسن. قال: فأيّ الصّدقة أفضل؟ قال: للسّائل البائس وجهد المقل ليس فيها منّ ولا أذى. قال: فأيّ القول أعدل؟ قال: قول الحقّ عند من تخافه أو ترجوه. قال: فأيّ المؤمنين أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة اللّه ودلّ النّاس عليها. قال:
فأيّ المؤمنين أحمق؟ قال: رجل انحطّ في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره.
قال له سليمان: أصبت، فما تقول فيما نحن فيه؟ قال: يا أمير المؤمنين أوتعفيني؟ قال له سليمان: لا ولكن نصيحة تلقيها إليّ. قال: يا أمير المؤمنين إنّ آباءك قهروا النّاس بالسّيف وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم حتّى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد ارتحلوا عنها فلو أشعرت ما قالوا وما قيل لهم. فقال له رجل من جلسائه: بئسما قلت يا أبا حازم. قال أبو حازم: كذبت إنّ اللّه أخذ ميثاق العلماء ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه. قال له سليمان: فكيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون الصّلف
(1) رواه البخاري (2/ 789) .