المعتمد من المنقول فيما أوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ص: 489
وتمسّكون بالمروءة وتقسمون بالسّويّة. قال له سليمان: كيف لنا بالمأخذ به؟ قال أبو حازم: تأخذه من حلّه وتضعه في أهله. قال له سليمان: هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منّا ونصيب منك؟ قال: أعوذ باللّه. قال سليمان: ولم ذاك؟ قال: أخشى أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني اللّه ضعف الحياة وضعف الممات. قال له سليمان: ارفع إلينا حوائجك. قال: تنجيني من النّار وتدخلني الجنّة. قال سليمان: ليس ذاك إليّ. قال أبو حازم: فما لي إليك حاجة غيرها. قال: فادع لي. قال أبو حازم: اللّهمّ إن كان سليمان وليّك فيسّره لخير الدّنيا والآخرة وإن كان عدوّك فخذ بناصيته إلى ما تحبّ وترضى. قال له سليمان: قطّ. قال أبو حازم: قد أوجزت وأكثرت إن كنت من أهله وإن لم تكن من أهله فما ينفعني أن أرمي عن قوس ليس لها وتر. قال له سليمان: أوصني.
قال: سأوصيك وأوجز عظّم ربّك ونزّهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك من حيث أمرك.
فلمّا خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار وكتب إليه أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير.
قال: فردّها عليه وكتب إليه يا أمير المؤمنين أعيذك باللّه أن يكون سؤالك إيّاي هزلا أو ردّي عليك بذلا وما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي، وكتب إليه إنّ موسى بن عمران لمّا ورد ماء مدين وجد عليها رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان فسألهما فقالتا: لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ* فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [23، 24] وذلك أنّه كان جائعا خائفا لا يأمن فسأل ربّه ولم يسأل النّاس فلم يفطن الرّعاء وفطنت الجاريتان فلمّا رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصّة وبقوله. فقال أبوهما- وهو شعيب- هذا رجل جائع فقال لإحداهما اذهبي فادعيه. فلمّا أتته عظّمته وغطّت وجهها وقالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا [25] . فشقّ على موسى حين ذكرت: أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ولم يجد بدّا من أن يتبعها لأنّه كان بين الجبال جائعا مستوحشا فلمّا تبعها هبّت الرّيح فجعلت تصفق ثيابها على ظهرها فتصف له عجيزتها وكانت ذات عجز وجعل موسى يعرض مرّة ويغضّ أخرى فلمّا عيل صبره ناداها يا أمة اللّه كوني خلفي وأريني السّمت بقولك. فلمّا دخل على شعيب إذا هو بالعشاء مهيّا فقال له شعيب: اجلس يا شابّ فتعشّ. فقال له موسى: أعوذ باللّه. فقال له شعيب: لم أما أنت جائع! قال: بلى ولكنّي أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من ديننا بملء الأرض ذهبا. فقال له شعيب: لا يا شابّ ولكنّها عادتي وعادة آبائي نقري