فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 749

المعتمد من المنقول فيما أوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ص: 154

-كما حكى الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه اللّه تعالى في العهود المحمدية قال: أخبرني سيدي عليّ الخوّاص: أن شخصا من العلماء استأذنه في الحج سنة من السنين، فقال له: لا تسافر تمقت، فقال:

كيف أمقت بالحجّ؟ ثم خالف، وسافر إلى مكة، فحضر وقت الخطبة فنهض قائما، وقال: يا أهل مكة، جمعتكم باطلة؛ فإن شرطها أن يسمعها أربعون من أهل الجمعة وما هنا إلا مسافرون، وكانت الناس متفرّقين في ظلّ الكعبة من شدة الحرّ، فوقع لذلك ضجّة عظيمة، وأعادوا الخطبة، وكان من جملة من كان حاضرا القطب، والأوتاد، والأبدال ومن شاء اللّه تعالى فرجع ممقوتا، قال الشيخ: فأوّل ما رأيته حين دخل مصر وجدته ممقوتا كالجلد الذي لا روح فيه، ثم قال لي: تقول لي: إن حججت تمقت، ولو لا حضوري هناك في هذه السنة بطلت جمعة أهل مكة في الموسم، قال الشيخ: فعرفت تمكن المقت منه من القطب والأولياء الحاضرين هناك.

قال الشيخ عبد الوهاب: وقد رأيت أنا صاحب هذه الواقعة، وقد نزع اللّه تعالى منه الاعتقاد من سائر العلماء والصالحين، فلا تكاد تذكر له أحدا إلا جرّحه، وكان مع ذلك يقرأ كل يوم ختمة، وسمعت سيدي عليّا الخواص مرارا يقول: أنا خائف على هذا الرجل من الموت على غير حالة مرضيّة. قال:

ولو أن هذا المنكر كان عنده أدب لعلم أن للّه تعالى رجالا يسمعون كلام من بينهم وبينه مسيرة ثلاثين ألف سنة وراثة إبراهيمية.

قال الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه اللّه تعالى: وقد اعتاد المتفقّهة في كل زمان على التفتيش عن عيوب الناس الشرعية بحيث لا يؤوّلون ما يجدونه مخالفا لعلمهم، وإن كان له ألف تأويل، بل ينكرون بمقتضى علمهم ما يكون محتملا للخطأ ولو بوجه ضعيف، وإن كان صوابه ظاهرا؛ بل ربما بعضهم يجهل مذهب الآخر، فينكر عليه ما خالف مذهبه، كما حكى لي رجل حنفيّ المذهب: صلّى ركعتين في الجامع الأموي، فوضع يديه تحت سرّته، ثم لما فرغ من صلواته أقام عليه النكير رجل شافعيّ المذهب، وقال له: ضع يديك على صدرك، هذا الذي فعلته مكروه، وأنت جاهل بأحكام الصلاة، وهذه الأمور كلها طريقة المتفقهة في المذاهب إلا الفقهاء، فإن المتفقّهة قاصرون، ومرادهم أن يعرفوا بين الناس بلا فقه، والعلم لأجل أغراض شيطانية يريدون إنفاذها وشهوات نفسانية يحاولون إيجادها، فيضطرّ بهم الأمر إلى التفتيش عن عيوب الناس، فكيف يؤوّلون شيئا مقصدهم التفتيش عليه، ومتى ظفروا بوجه فاسد في حال فكأنما ظفروا بملك الدنيا، ففي قلوبهم الفرح الشديد، فمن المحال أن يقيلوا عثرة مؤمن أو يتغافلون عن زلّة مسلم؛ لأنهم في زعمهم لا يرتقون ويرتفعون إلا بإنكار المناكر خصوصا على الكامل الخاشع، والعابد الذاكر.

وأما الفقهاء أصحاب القدم الراسخ في العلوم على حسب المذاهب الأربعة فإن قلوبهم متجانبة عن الدنيا، مقبلة على الآخرة، وبسبب ذلك لا حسد عندهم، ولا تكبّر، ولا عداوة، ولا حقد، ولا رياء، ولا سمعة يعلمون أحكام اللّه تعالى على وجه التحقيق أصولا وفروعا، ومن شدة شفقتهم على عباد اللّه تعالى لا يكادون يجدون في الناس منكرا أصلا، ومن كمال اشتغالهم بعيوب أنفسهم عن عيوب الناس لا يجدون في الغير مفسدة حتى يجدوا في أنفسهم مائة مفسدة يعدّونها على أنفسهم، فلا يخفى عليهم دسائس النفوس، فهم في صدد كمال نفوسهم، وتطهيرها، فهم في شغل شاغل عن إنكار المنكر على الغير، وإذا رأوا منكرا لا ينظرون منه إلا الوجه الحسن في حق الغير احتياطا، وورعا، وعندهم أحكام-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت