فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 749

المعتمد من المنقول فيما أوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ص: 155

-الشريعة أمور كليّات يقررونها للناس في الدروس على الكراسي وفوق المنابر، وليس في قلوبهم وجود شيء منها في أحد من الناس على التعيين أصلا، كما أن اللّه سبحانه وتعالى أنكر المنكر في القرآن بلا تعيين أحد مع علمه تعالى بالمناكر وأهلها في كل زمان، وكذلك الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا» ولا يذكر أحدا بسوء؛ فهؤلاء هم الناس الذين يليق في حقهم أن يقال عنهم: علماء فقهاء أمناء على أحكام اللّه تعالى.

قال النجم الغزي رحمه اللّه تعالى في كتابه «منبر التوحيد» : ولقد روي عن أبي حنيفة والشافعي رضي اللّه تعالى عنهما أنهما قالا: إن لم تكن العلماء أولياء فليس للّه تعالى وليّ، والمراد بهم: العاملون.

كما روي في التنبيه بذلك عن الشافعي رضي اللّه عنه أيضا لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يكون العالم عالما حتّى يكون بعلمه عاملا» كذلك ذكره بعضهم مرفوعا، وإنما هو موقوف على أبي الدرداء، كما رواه ابن حبان في «روضة العبّاد» ، والبيهقي في «المدخل» .

وذكر النجم الغزى أيضا في كتابه المذكور عن الإمام الشافعي رضي اللّه عنه أنه قال:

من أحبّ أن يفتح اللّه تعالى على قلبه نور الحكمة فعليه بالخلوة، وقلة الأكل، وترك مخالطة السفهاء، وبعض العلماء الذين ليس معهم إنصاف ولا أدب انتهى كلامه.

وهؤلاء العلماء الذين ترك مخالطة بعضهم موجب للفتح على القلب في طريق اللّه تعالى هم المتفقّهة الذين قدّمنا ذكرهم قبل ذكر الفقهاء، وهم موجودون في كل زمان من عصر الإمام الشافعي، بل من قبله إلى يوم القيامة، خذلهم اللّه تعالى، وأذلّهم إن لم يكن لهم نصيب في الهداية والتوفيق والتوبة انتهى كلامه.

وذكر الفاضل البركيلي رحمه اللّه تعالى في الطريقة المحمديّة عن أنس رضي اللّه عنه: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «العلماء أمناء الرسل على العباد ما لم يخالطوا السلطان ويدخلوا في الدنيا، فإذا دخلوا وخالطوا السلطان فقد خانوا الرسل؛ فاعتزلوهم» رواه الحاكم.

وعن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه أنه قال: تعرّضت وتصدّيت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يطوف بالبيت، فقلت:

يا رسول اللّه، أيّ الناس شرّ؟ فقال: «اللّهمّ غفرا، اسأل عن الخير، ولا تسأل عن الشرّ، شرار الناس شرار العلماء» رواه البزار.

وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه» رواه الطبراني والبيهقي.

وعن مجاهد عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهم أنه قال: لا أعلمه إلا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قال إنّي عالم فهو جاهل» رواه الطبراني.

قال رحمه اللّه تعالى: ولا أرى عالما منصفا إذا نظر وتأمل في أحواله وأعماله يحكم لنفسه أنها بريئة من هذه الآفات، ولو سلّم أن العالم بريء من هذه الآفات المذكورة وأن لعلمه فضلا فعلمه يورثه خشية من اللّه تعالى، قال اللّه تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: 28] ، لا جرأة على اللّه تعالى، وأمنا منه، وكبرا على عباده، وعجبا عليهم، فلهذا صار الأنبياء عليهم السّلام متواضعين خاشعين لم يكن فيهم كبر ولا عجب، فحقّ العبد ألا يتكبّر على أحد، فإن نظر إلى جاهل يقول: هذا عصى اللّه تعالى بجهل، وأنا عصيته بعلم، فهذا أعذر منّي، وإن نظر إلى عالم يقول: هذا علم ما لم أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت