المعتمد من المنقول فيما أوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ص: 152
-اللّه تعالى من قلوبكم معرفته، فلم يخرج بعد دعائه قطّ من بلخ صوفيّ، مع أنها كانت أكبر بلاد اللّه صوفية، وعقد الشيخ عبد اللّه ابن أبي حمزة رحمه اللّه تعالى مجلسا في الردّ عليه حين قال: أنا أجتمع بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقظة، فلزم بيته، فلم يخرج إلا للجمعة حتى مات.
وأخرجوا الحكيم الترمذي رحمه اللّه تعالى إلى بلخ بسبب كتابين صنّفهما، فأغلظوا عليه، وقالوا له:
أنت فضّلت الأولياء على الأنبياء، فجمع كتبه، وألقاها في البحر، فابتلعتها سمكة سنين ثم لفظتها، وانتفع الناس بها.
وأخرجوا الإمام يوسف بن الحسين الرازي رحمه اللّه تعالى، وقام عليه زهّاد الريّ وصوفيتها.
وأخرجوا أبا عثمان المغربي رحمه اللّه تعالى من مكة مع كثرة مجاهدته، وتمام علمه وحاله، وضربوه ضربا مبرّحا، وطافوا به على جمل، فأقام ببغداد إلى أن مات فيها.
وشهدوا على الشبلي رحمه اللّه تعالى بالكفر مرارا مع تمام علمه وكثرة مجاهداته، واتباعه للسنّة، فأدخله أصحابه «المارستان» ليرجع الناس عنه مدة طويلة.
وقتلوا الحسين الحلاج رحمه اللّه تعالى بسبب كلمات وجدوها في كتبه، قال ابن خلكان: وإنما سمي الحلاج؛ لأنه جلس على دكان حلاج وبه مخزن قطن غير محلوج فذهب صاحب الدكان في حاجته، ورجع فوجد القطن كله محلوجا، فسمّي لذلك الحلاج. قال: وأما سبب قتله فلم يكن عن أمر يوجب القتل، إنما عمل عليه الوزير حيلة حين أحضروه إلى مجلس الحكم مرات، ولم يظهر منه ما يخالف الشريعة، فقال الوزير لجماعة: هل له مصنّفات؟ قالوا: نعم، فذكروا أنهم وجدوا له كتابا فيه: أن الإنسان إذا عجز عن الحجّ فليعمد إلى غرفة من بيته، فيطهّرها، ويطيّبها، ويطوف، ويكون كمن حجّ البيت، واللّه أعلم إن كان القول عنه صحيحا، فطلبه القاضي، فقال: هذا الكتاب تصنيفك، فقال: نعم، فقال: أخذته عن من؟ فقال: عن الحسن البصرى ولا يعلم الحلاج ما دسّوه عليه فيه. فقال القاضي:
كذبت يا حلال الدم. فمسك الوزير هذه الكلمة على القاضي، فقال: هذا فرع عن حكمك بكفره، وقال للقاضي: اكتب خطّك بالتكفير، فامتنع القاضي، فألزمه الوزير بذلك، فكتب، فقامت العامة على الوزير، فخاف على نفسه، فكلّم الخليفة في ذلك، فأمر بالحلاج، فضرب ألف سوط فلم يتأوّه، وقطّعت يداه ورجلاه وصلب، ثم أحرق بالنار، ووقع الاختلاف بين الناس أهو الذي صلب؟ أم رفع كما وقع في عيسى ابن مريم عليه السّلام؟
وروي أنه لما قدّم لتقطّع يداه قطعت اليد اليمنى أولا، فضحك، ثم قطعت اليسرى فضحك ضحكا بليغا، فخاف أن يصفرّ وجهه من نزف الدم، فكبّ بوجهه على الدم السائل، ولطّخ وجهه بدمه، وأنشد يقول:
اللّه اللّه إنّ الرّوح قد تلفت ... شوقا إليك ولكنّي أمنّيها
ونظرة منك يا سؤلي ويا أملي ... أشهى إليّ من الدنيا وما فيها
يا قوم إنّي غريب في دياركم ... سلّمت روحي إليكم فاحكموا فيها
لم أسلّم النفس للأسقام تتلفها ... إلا لعلمي أنّ الوصل يحييها
نفس المحبّ على الآلام صابرة ... لعلّ مسقمها يوما يداويها