وسبب تعقب ابن حجر على الكرماني يعود -على ما يظهر- إلى أن القاضي عياض نقل الخلاف في الأمر بإبراد الصلاة، هل هو للوجوب أو للاستحباب أو للإرشاد؟ فنقل عن بعضهم القول بوجوب الإبراد بالصلاة تمسكا منهم بمقتضى الأمر [1] .
وقد تبعه على منازعة الكرماني في ذلك محمد بن عبد الباقي الزرقاني حيث تعقب على الكرماني في شرحه على موطأ الإمام مالك [2] بما ذكرناه عن القاضي عياض.
وقد رد العيني انتقاد ابن حجر على الكرماني، فذكر في سياق شرحه للحديث الذي فيه الأمر بالإبراد أن العلماء اختلفوا في صفة هذا الأمر، فحكى القاضي عياض وغيره أن بعضهم ذهب إلى أن الأمر فيه للوجوب، ونقل الكرماني في ذلك الإجماع، ثم قال: وقال بعضهم (يشير بذلك ابن حجر العسقلاني) :وغفل الكرماني فنقل الإجماع على عدم الوجوب، فدفع وصف الكرماني بأنه غفل نظرا إلى أن من نقل الإجماع لم يعتبر كلام من ادعى الوجوب إما لانعقاد الإجماع قبله أو لكونه ليس من أهل الإجماع، فوجوده كالعدم، فبهذا الاعتبار صحت حكاية الإجماع، وبطل وصف صاحبها بالغفلة [3] .
والذي يظهر -والله أعلم- أن من حكوا الإجماع في ذلك قولهم أكثر اعتبارا، وذلك لأنه لايوجد حسب علمي من نقل الخلاف فيه قبل القاضي عياض، وهو من علماء القرن السادس الهجري، ولم يحك الخلاف بعده إلا من أخذه عنه، بينما هناك بعض المحققين بعده الذين حكوا الإجماع كابن رجب الحنبلي، ومعظم من تعرض لهذه المسألة يحكى فيها قولين:
أحدهما: الاستحباب، وهو قول جمهور العلماء.
الثاني: عدم استحباب الإبراد، وإنما يستحب أن تصلي الصلاة في أول وقتها.
(1) .انظر: إكمال المعلم (2/ 323) .
(2) . انظر: (1/ 61) .
(3) . انظر: عمدة القاري (7/ 344) .