"فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته، قد كانوا في النوم على ما قد ذكرناه عنهم في هذه الآثار قولا وفعلا بلا اختلاف منهم فيه أنه لا ينقض وضوءهم إلا في خاص من النوم، والأولى في ذلك أن يكون ذلك الخاص هو الذي خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ووصفه باسترخاء المفاصل الذي لا يكون معه ضبط النائم لنفسه عن الأسباب التي تنقض وضوءه، ومعقول مع ذلك أن القائم والقاعد والساجد معدوم ذلك منهم، وأن المضطجع موجود ذلك فيه، وإذا كان ذلك كذلك لم ينتقض وضوءه إلا بتلك الحال حتى لا يخرج عن شيء مما قد رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عن أصحابه في هذا الباب، رضوان الله عليهم" [1] .
ومثله الماوردي، فإنه ذكر بعض الأقوال في المسألة ولم يشر إلى من قال بهذا القول قبله، والله أعلم [2] .
ويشهد له أيضا أن بعض من نسب إليه هذا القول كإسحاق بن راهويه وأبي عبيد القاسم بن سلام لم يصرحوا بذلك، وإنما فهم بعض العلماء ذلك من أقوالهم، فلا يحسن الجزم بأنهم قالوا ذلك، قال ابن عبد البر بعدما ساق بعض الآثار عن أبي هريرة وابن عباس وأنس بن مالك:"وبه قال إسحاق وأبو عبيد وهو معنى قول مالك" [3] .
وقال العراقي مشيرا إلى أن نسبة القول بأن النوم ينقض مطلقا إلى أبي عبيد غير دقيق وغير صحيح، قال:"وكونه قول أبي عبيد قد جزم به النووي في شرح مسلم فإنه إنما رجع عن كون نوم الجالس لا ينقض إلى غلبة النوم كما حكاه ابن عبد البر عنه، وهذا موافق لقول مالك إلا أنه يقول: لا ينقض مطلقا والله أعلم" [4] .
(1) . شرح مشكل الآثار (9/ 68) .
(2) انظر: الحاوي الكبير (1/ 316) .
(3) . التمهيد (18/ 244) .
(4) . طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 45) .