خالف جماعتهم التي أمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس، إن شاء الله" [1] ."
واستدل بعضهم لإثبات حجية الإجماع بدليل عقلي مع الدليل السمعي [2] ، ومن هؤلاء الآمدي حيث قال:
"وأما المعقول فهو أن الخلق الكثير وهم أهل كل عصر إذا اتفقوا على حكم قضية وجزموا به جزمًا قاطعًا فالعادة تحيل على مثلهم الحكم الجزم بذلك والقطع به، وليس له مستند قاطع بحيث لا يتنبه واحد منهم إلى الخطأ في القطع بما ليس بقاطع" [3] .
لكن الجمهور منعوا ذلك، فحصروا الدليل على حجيته في الكتاب والسنة، وقالوا: إن العدد الكثير وإن بعد في العقل اجتماعهم على الكذب فلا يبعد اجتماعهم على الخطأ كاجتماع الكفار على جحد النبوة [4] .
وقد اتفق كل من يعتد بكلامه على أن الإجماع دليل شرعي، وحجة مقطوع بها، لكنهم اختلفوا هل هو حجة مطلقا أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه حجة مطلقا، وخالف بعض أهل العلم - منهم داود الظاهري وأحمد بن حنبل في المشهور عنه- فسلموا بحجيته، لكنهم نفوا إمكانية الإجماع في عصر غير الصحابة، حيث أن العلماء بعد عصر الصحابة تفرقوا - مع كثرتهم - في الأمصار، وانتشروا في الأقطار، بحيث لم يكن ممكنا معرفة أقوالهم وضبط آراءهم في المسألة [5] .
(1) . الرسالة (ص 475) .
(2) . كقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} ، وقوله عليه الصلاة والسلام"تجتمع أمتي على ضلالة".
(3) . الإحكام في أصول الأحكام (1/ 208) ، وانظر: قواطع الأدلة (1/ 471) .
(4) .انظر: إرشاد الفحول، للشوكاني (ص 198) .
(5) .انظر: اللمع، للشيرازي (ص 49) .