داود الظاهري، والذين حكوا قوله في هذه المسألة اضطربوا، فعزا إليه بعضهم ما تقدم، واستبعد أن ينسب إليه ذلك القول ابن رجب الحنبلي، وقال: وهذا بعيد على أصول داود. وقال بعضهم إنه خص النسخ بالنهي عن الصلاة بعد العصر. وقال ابن رجب الحنبلي: وهذا أشبه، وقد حكي مثله رواية عن أحمد [1] .
وإذا تقرر ذلك فإن ذلك لا يخرم الإجماع الذي حكاه النووي وغيره، لكن يمكن الاعتراض عليه بما روي عن جماعة من الصحابة أنه لا بأس بالصلاة في الوقتين المتسعين، وهما: بعد الفجر، وبعد العصر، منهم: علي بن أبي طالب وابن عمر وعائشة وبلال، فعن طاوس، قال: قالت عائشة: وَهِمَ عُمَرُ: إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَحَرَّى طُلُوعُ الشَّمْسِ، وَغُرُوبُهَا" [2] أى وهم عمر فيما روى من النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر."
قال البيهقي: وإنما قالت ذلك -والله أعلم- لأنها رأت رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى الركعتين بعد العصر وكانتا مما ثبت عنها وعن أم سلمة قضاء وكان صلى الله عليه و سلم إذا عمل عملا أثبته، فأما النهي فهو عن النبي صلى الله عليه وسلم ثابت من جهة عمر وغيره كما تقدم.
وعن بلال أنه قال: لَمْ يَكُنْ يَنْهَى عَنِ الصَّلَاةِ، إِلَّا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ" [3] ."
(1) .انظر: فتح الباري، لابن رجب الحنبلي (3/ 307) . وينظر كذلك: المحلى، لابن حزم (3/ 95) .
(2) . أخرجه مسلم في الصلاة، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، رقم: 1883 (2/ 210) وأحمد (41/ 409) والبيهقي في الكبرى في جماع أبواب الساعات التي تكره فيها صلاة التطوع، باب ذكر البيان أن هذا النهي مخصوص ببعض الصلوات دون بعض وأنه يجوز في هذه الساعات كل صلاة لها سبب، رقم: 4195 (2/ 453) من طريق وهيب قال حدثني بن طاوس عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها.
(3) . أخرجه أحمد (39/ 321) والطيالسي في مسنده (1/ 152) من طريق شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن بلال به، وإسناده صحيح.