فلما لم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلام من سأله وهو يخطب ولم يبين له وجوب السكوت دل ذلك على أن الأمر بالإنصات ليس للوجوب وإنما هو للاستحباب.
والملاحظ أن أدلة القول الثاني أخص من الدعوى؛ لأنها تدل فقط على أن المستمع للخطبة يجوز أن يكلم الخطيب للحاجة، وبكلامه يقطع الخطيب خطبته، فلا يفوت الحاضرين استماع الخطبة والاستفادة منها، بينما يفوت بكلام الشخص لصاحبه جزء من الخطبة أو كلها، فتنعدم الفائدة من تشريع الخطبة ودعوة الناس إلى حضورها، وتحريم كل ما يشغل عنها، فلا يقاس كلامه للخطيب بكلامه لصاحبه، فالأول جائز أقره النبي صلى الله عليه وسلم في وقائع مختلفة، والثاني منهي عنه بقوله عليه الصلاة والسلام.
والراجح - والله أعلم- القول الأول؛ لقوة أدلته، وضعف ما تمسك به أصحاب القول الثاني، وهو موافق لفهم الصحابة الكرام، حيث منعوا من الكلام حال الخطبة وشددوا في ذلك.
على أن ابن عبد البر أشار إلى أن من ذكرناهم خالفوا في ذلك، لكنه اعتبر فعلهم مصادما للنصوص الصحيحة، فلا عبرة به ولا اعتداد له، وأحسن أحوالهم أن يقال إنهم لم يبلغهم الحديث في ذلك؛ لأن حديث أبي هريرة حديث انفرد به أهل المدينة، ولا علم لمتقدمي أهل العراق به.
والصحيح اعتبار أقوالهم وعدم الاتفاق في المسألة، وهذا ما دعى الحافظ ابن حجر إلى تعقبه ورد الاتفاق الذي حكاه، والله أعلم.
فحاصل الكلام أن نفي الخلاف في المسألة هو المنفي، وأن الصحيح ثبوت الخلاف فيها وإن لم يكن المخالف لعامة العلماء أقوى أدلة وأبين حجة، والله أعلم.