وذكر بعض الحنابلة أن الإمام أحمد ذهب في رواية إلى ذلك، وهي رواية لم ينص عليها الإمام وإنما هي من تخريجات الأصحاب فيما يظهر لي، ومما يدل على ذلك أن ابن مفلح صرح بأن القاضي حكى وجوب ذلك، وذكره في الرعاية رواية؛ لظاهر الأمر به [1] .
وأمر طاوس لابنه بإعادة الصلاة ليس صريحا في أن طاووسا كان يرى وجوبه، وإن كان ذلك الظاهر من صنيعه؛ ومن هنا أبدى بعض العلماء كالقرطبي والقاضي عياض احتمالا في أن يكون وجه أمره بالإعادة تغليظًا عليه؛ لئلا يتهاون بتلك الدعوات، فيتركها، فيُحْرَم فائدتها وثوابها [2] .
وكأن ابن الملقن لاحظ ذلك حينما صرح بأن ابن حزم تفرد بالقول بوجوب ذلك، استدلالا بما جاء عن طاوس أنه أمر ابنه بإعادة صلاته حيث لم يأت فيها بالاستعاذة من الأربع التي في حديث عائشة رضي الله عنها [3] .
ولعل قلة من ذهب إلى وجوب ذلك قبل ابن حزم، والاحتمال في أن طاوسا كان يريد بأمره بإعادة الصلاة الحث على عدم تهاون الاستعاذة من الأمور المذكورة في الأحاديث، بعث بعض العلماء على حكاية الإجماع على استحباب ذلك وعدم وجوبه.
ومع أن جملة من أهل العلم منهم الحافظ ابن حجر ذكروا أن البعض نقل الاجماع في ذلك، فإني لم أجد من تقدم عن ابن حجر وادعى الإجماع عليه مع البحث الشديد في كتب الفقه وشروح الحديث التي بين يدي، وإنما وجدت من المعاصرين من حكى الإجماع في ذلك، كعبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي النجدي (ت: 1392 هـ) في حاشية الروض المربع [4] .
وتأسيسا على ذلك فإن المسألة ليست من مسائل الاتفاق والإجماع، وإنما من مسائل الخلاف وموارد النزاع.
(1) .انظر: في المبدع شرح المقنع (1/ 416) .
(2) .انظر: المفهم (5/ 143) .
(3) .انظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (7/ 280) .
(4) .انظر: حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع (2/ 73) .