فهرس الكتاب

الصفحة 658 من 698

فالقوم اليوم قالوا لا يكفر إلّا إذا جحد، فحصروا أبواب الكفر على الجحود، ثم قصروا معنى الجحود على الجحود بالقلب؛ في حين أن الجحود يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالعمل، وشاهد ذلك من كتاب الله قوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ) [1] ، فهؤلاء القوم لم يجحدوا بقلوبهم بل الآية مصرحة أن قلوبهم مليئة بالتصديق بل بالتصديق اليقيني، يقول إبن عباس كما في تفسير إبن جرير (يقينهم في قلوبهم) [2] .

كذلك قوله تعالى: (إِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) [3] ، فهذا دليل على أن المشركين كانوا يصدقون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويعرفون أن رسول وأن ما جاء به من عند الله أنه دين الحق وأنه خاتم الأنبياء، ثم أثبت لهم تعالى الجحود، فهذا الجحد ليس بالقلب وإنما يجحدون ما إستيقنوه في قلوبهم بأفعلاهم؛ إباءًا وإستكبارًا عن الخضوع لحكم الله.

فأين هذه الآيات الكريمة في إشتراط هؤلاء القوم في قصرهم للجحود على الجحود في القلب، بل إن من عرّف الجحد من أهل اللغة -كالراغب الأصبهاني وكصاحب لسان العرب- لم يشيروا من قريب ولا من بعين إلى الجحود القلبي وإنما حصروه في الجوارح.

يقول الراغب الأصفهاني في كتابه (مفردات غريب القرآن) :"الجُحُود: نفي ما في القلب إثباته، وإثبات ما في القلب نفيه،" [4] اهـ.

فقارنوا هذا الكلام بقول الشيخ الألباني (لا يكفر حتى يكفر قلبًا وقالبًا) ، وبهذه الصورة لن يكفر أحد حتى قيام الساعة كما قال إبن الوزير.

(1) سورة النمل\14.

(2) تفسير الطبري تحقيق أحمد شاكر طـ الرسالة 19\ 436.

(3) سورة الأنعام\33.

(4) كتاب (مفردات غريب القرآن) باب (جحد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت