في الحقيقة هذه القضية، تمثل محور الصراع بين الكفر والإيمان، فنحن قررنا من قبل، ورأينا معًا عندما تكلمنا في باب الإيمان؛ أن الصراع لم يكن أبدًا حول قضية إثبات وجود الله - سبحانه وتعالى -، فلم يكن أبدًا حول توحيد الربوبية؛ وإنما كان في الأساس حول توحيد الألوهية، والترجمة العملية لتوحيد الألوهية،
إذًا حقيقة الصراع بين الكفر والإيمان، إنما كان حول موضوع الحاكمية على التحقيق، وليس الصحيح في معنى الحاكمية، قصرها في جانب معين؛ الحاكمية تتحكم في حياة الإنسان منذ ولادته، بل قبل أن يولد وهو بطن أمه، إلى أن يقف بين يدي الله عز وجل؛ لا تختص بجانب معين كالجانب السياسي أو الجانب الإجتماعي، تلك التقسيمات التي ترونها اليوم؛ الحاكمية كل شيء، الحاكمية: هي أن تجعل الله - سبحانه وتعالى - هو المتحكم في حياتك كلها، في عباداتك وفي تعاملاتك، وفي سائر حياتك، أن تجعل الله هو الحكم في المسجد وفي خارج المسجد.
والآية فيها شيء محذوف، فيها كلمة مقدّرة (كان الناس أمة واحدة) "فاختلفوا" (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب) ؛ ليرفع هذا الخلاف الذي حدث بين الناس، (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) .
يقول ابن عباس - رضي الله عنه - في الأثر المشهور، الذي أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وذكره ابن كثير في تفسير في المجلد الثالث ص 250؛ قال ابن عباس - رضي الله عنه: (كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) ، إذًا منذ أن أهبط آدم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - إلى نوح - عليه السلام -، كان الناس على شريعةٍ من الحق؛ وكلمة شريعة فيها دلالة على أمرين، على العقيدة وعلى الأحكام، على الأصول وعلى الفروع.