فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 698

وقبل أن ننتهي من هذا الوجه، نريد أن نذكر قاعدة على درجة من الأهمية، سواء في هذه المسألة أو في غيرها من المسائل؛ وهي أن الذي يعرض عن فهم كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- بغير ما فهمه العرب، فيعمل عقله ويستنتج نتائج تُخالف اللسان العربي المبين، الذي خاطب الله به هذه الأمة في كتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-؛ الذي يعرض عن هذا الأمر حتمًا ولابد سيقع في الشبهات، هذا إذا أحسنا الظن.

فنقول أنه لابد لفهم الكتاب والسنة من التقيد بفهم أهل اللغة، وهذا طبعًا بعد تقرير المعنى الشرعي، فلم يعهد عن العرب أنهم استخدموا اللفظ المعرف للدلالة على المجاز دون الحقيقة، وكذلك لم يعرف عندهم استخدام هذا البناء اللغوي المتين -كما قرّرنا وفصلنا- في الحقيقة الصغرى؛ وإنما الإطلاق يحمل على الحقيقة الكبرى، والتعريف يحمل على كمال المعنى وعلى كمال المسمى.

إذًا فالإعراض عن فهم الكتاب والسنة بفهم العرب، جرمٌ يؤدي إلى الوقوع حتمًا في الشبهات، وهذا الأمر قديم. وإذا أردنا أن نستعرض تاريخ المبتدعة من أصناف الفرق التي ضلّت وانحرفت عن منهج الله، كان هذا السبب من أسباب ضلالها وانحرافها عن الفرقة الناجية؛ وهو أنهم فهموا كثير من نصوص الكتاب والسنة بغير فهم العرب لها، ولم يتقيدوا باللسان العربي المبين، ونقول هذا بعد إثبات وتقرير المعنى الشرعي.

وهذا الأمر أشار إليه غير واحد من أهل العلم من أهل السنة والجماعة، منهم الإمام الشافعي في كتابه المعروف (الرسالة) ، فقال: (القُرَأَىن نزل بلسان العرب دون غيره؛ لأنه لا يعلم مِن إيضاح جُمَل عِلْم الكتاب أحد، جهِل سَعَة لسان العرب، وكثرةَ وجوهه، وجِماعَ معانيه وتفرقَها. ومن علِمه انتفَتْ عنه الشُّبَه التي دخلَتْ على من جهِل لسانَها) [1] ا. هـ.

(1) الرسالة للشافعي ت أحمد شاكر صـ 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت