نقول: في مصر بدأ الاتجاه، نحو التشريعات الوضعية في زمن محمد علي؛ ومحمد علي كان رجلًا ألبانيًا، قدم في الأصل إلى مصر، ليحكم باسم الخلافة العثمانية؛ إلا أنه انقلب على الخلافة العثمانية، وأعلن - بتأييد الدول الأوربية، وعلى رأسها انجلترا -، الانفصال عن الخلافة، وقام بغزو الديار النجدية بمساعدة أبنائه، فقام بقتال أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
نقول: هذا الرجل كان مائلًا جدًا نحو أوروبا، وبدأ في عصره يرفع شعار، إعادة بناء مصر المتقدمة؛ وحتى الآن لم يبني مصر المتقدمة، وقام بإرسال البعثات التعليمية إلى أوربا، حتى تقتبس من أوربا، نورها وحضراتها وتقدمها؛ وطبعًا من ضمن هذه الأمور، التي لابد أن تقتبسها النظم الأوربية؛ وكان من ضمن من أرسلوا في تلك البعثات، رجل اشتهر في تاريخ العلمانيّة المعاصرة؛ وهو رجل معمم له لحية، يذكرنا تمامًا بالحكمة اليهودية (سيكون الشيطان أكثر تأثيرًا، عندما يمسك الكتاب المقدس بيده) ، وهذا الرجل هو رفاعة رافع الطهطاوي.
هذا الرجل هو ورجل آخر تونسي، كانا أول رسل الحضارة الأوربية للعالم الإسلامي؛ الأول رفاعة رافع الطهطاوي، والثاني خير الدين التونسي، فالأول كان في مصر، والثاني من شمال إفريقيا أو المغرب العربي؛ هؤلاء كانوا أول من قاموا ببذر البذرة الغربية، أو الفكرة العلمانية في الديار الإسلامية؛ ذهب هذا الرجل لأوربا، منبهرًا بحضارتها وتقدمها، وعاد حاملًا هذه الجراثيم إلى أبناء دينه؛ وكتب كتابه المشهور (تخليص الإبريز في توصيف باريس) ؛ تخليص الإبريز: يعني تنقية الذهب، فالإبليز هو الذهب، في توصيف باريس، وهي عاصمة فرنسا؛ فعنوان كتابه يعني تنقية الذهب، عن طريق أننا نأخذ من فرنسا، والتي أشهره ما فيها عاصمتها باريس.