إذّا فليست آيات المائدة وليس قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [1] هي الدليل الأوحد في النزاع؛ بمعنى أنّنا لو أخرجنها من الحكم على الحكام اليوم، فلن يحدث أدنى خلل في الحكم الذي مرّ معنا، فالمسألة مقطوع بها في كتاب الله -سبحانه وتعالى- وفي فتاوى علماء هذه الأمة، بالإضافة لذلك المسألة عليها إجماع منعقد، ولو لم يكن في المسألة إلا هذا الإجماع لكفى؛ فالإجماع من أقطع القطعيات، ورغم هذا فالمسألة فيها الكثير والكثير من الأدلة الواضحة البينة، وفيها الكثير والكثير من فتاوى أهل العلم في القديم والحديث، وفيها إجماع منعقد نقله كما سيمر معنا غير واحد من أهل العلم في القديم والحديث.
إذًا فالسؤال الذي يطرح نفسه؛ لماذا إذا أثيرت هذه القضية؟ لا يثار إلا الحديث عن قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ؟ ولماذا نترك تلك الآيات الكثيرة وذلك الإجماع المنعقد وتلك الفتاوى ونتحدث عن آية المائدة؟ فهذا أمرٌ فيه ما فيه.
لماذا تُعمَّى تلك الآيات البينات الواضحات عن الناشئة وعن الدعاة؟ ولا يطرح إلا ما فيها الإشكال؟ رغم أن الإشكال غير موجود، ولكن من جهة الفرض الجدلي -لو فرضنا جدلًا أن الآية فيها إشكال-؛ فلماذا نلجأ للمشكل ونترك الواضح؟ ولماذا نلجأ للمجمل ونترك المفصل؟ فالمسألة تطرح كثير من علامات الاستفهام. وهذا ليس من الإنصاف في شيء، هذه واحدة.
النقطة الثانية: أن هذا ليس منهج علمي، فالمنهج العلمي -كما هو معلوم عندكم-، ينص على أنك إذا أردت أن تصدر حكمًا على مسألة ما -صغرت أو كبرت في الفروع أو في الأصول-، يجب عليك أن تجمع كل النصوص التي تتحدث عن هذه المسألة، ثم تبني عليها الحكم؛ وهذا أمر معروف يعرفه أصغر طالب علم.
(1) سورة المائدة\44.