فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 698

وهناك مسألة أخرى تكلمنا فيها عند حديثنا عن منزلة الحاكمية من معنى الدين؛ فرأينا كيف أنهم صنعوا من تلك القوانين الوضعية دين كامل يضاد ويحارب دين الله تعالى، حتى في المصطلحات حيث أخذوا المصطلحات الشرعية وأطلقوها على المصطلحات القانونية؛ فالقوم لديهم فقه وليديهم فقيه، ولديهم شرع ولديهم مشرع، ولديهم حرم وحرمة، ولديهم قداسة ولديهم قدسية، فهو دين كامل مستقر يراد له أن يحل محل دين الله.

وهذا الأمر لم يفعله التتار أبدًا، وربما لم يدر في خلدهم أصلًا، وكل ما فعلوه أنهم حكموا أحكام الياسق بينهم، ولم يفكروا أبدًا أن يُخضعوا الأمة لأحكام ياسقهم، أو أن يجعلوا هذا الياسق بديلًا لشرع الله، أما لدى حكامنا المرتدين فإن الأمر مختلفٌ تمامًا.

يقول الشيخ الحافظ أحمد شاكر: (أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير في القرن الثامن، لذاك القانون الوضعي الذي صنعه عدو الإسلام(جنكيز خان) ؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر في القرن الرابع عشر؟ إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفًا؛ أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام، أتى عليها الزمن سريعًا فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت، ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالًا وأشد ظلمًا وظلامًا منهم؛ لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة، والتي هي أشبه شيء بذاك الياسق الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر) [1] ا. هـ.

ولتتضح الصورة، قارن الضرورات في ظل الياسق والضرورات الخمس في ظل القوانين الوضعية الحديثة؛ في ظل الياسق لم يحدث أي تبديل ولا أي تغيير لتلك الضرورات الخمس، وإنما ظلت مصونة محفوظة، وكان أعلام الأمة في هذا العصر، ويكفي أن فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير والذهبي والمزّي وغيرهم من أعلام الأمة المشهورين.

(1) عمدة التفسير 4\ 173 - 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت