فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 698

فصفة العبودية التي وقع فيها هؤلاء والتي جعلهم الله تعالى بها عبيدًا للشيطان ليست صفة الصوم الصلاة النذر والدعاء؛ وإنما صفة الطاعة فيما زين لهم من الشرك والإعراض عن أمر الله أمر رسوله، فالطاعة جعلها الله سبحانه وتعالى عبادة لغةً وشرعًا.

وكذلك قوله تعالى فيما حكاه عن إبراهيم عليه السلام: (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا) [1] ، فهل كان أبو إبراهيم -عليه الصلاة السلام- يسجد ويصوم للشيطان ويطوف حوله، كلا وإنما إتبع الشيطان وأطاعه فيما وسوس له، فكانت هذه الطاعة عبادة من دون الله.

وكذلك من أطاع بشرًا فيما يعلم يقينًا أنه خلاف طاعة الله وطاعة رسول كان عبدًا لهذا البشر، كما قال فرعون يخاطب قومه: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [2] ، وقوم فرعون لم يكونوا يصومون ويصلون ويسجدون ويركعون له بل إتبعوا أمره وتشريعه فكانوا عبادًا له؛ لغةً وشرعًا بتقرير الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سموات.

وكذلك يقرر لنا النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا المعنى في الحديث المشهور: (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شك فلا انتقش) [3] ،فسماه النبي -عليه الصلاة السلام- عبدًا، وهو أفصح من نطق بالضاد- الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى والذي يعرف مدلولات الألفاظ لغةً وشرعًا، سماه عبدًا لهذا الأعراض الزائلة لأنها سيطرت على كيانه وملكت شغاف قلبه وجوارحه فأصبح يسعى في تحصيلها بشتى الطرق من حل ومن حرمة.

فحقيقة العبادة هي الطاعة، والطاعة هي أنسب الخصائص وأبرز مظاهر العبادة، فالطاعة هي الترجمة العملية على صدق العبادة أو على كذبها.

(1) سورة مريم\44.

(2) سورة القصص\38.

(3) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (2595) ، وصححه الألباني في تحقيقه لكتاب الإيمان لإبن تيمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت