وَقَدْ يَحْتَاجُ الِاخْتِلَافُ إِلَى تَقْدِيرٍ فَيَرْتَفِعُ بِهِ الْإِشْكَالُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وعد الله الحسنى} ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى القاعدين أجرا عظيما} وَالْأَصْلُ فِي الْأُولَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ أُولِي الضَّرَرِ دَرَجَةً وَالْأَصْلُ فِي الثَّانِيَةِ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْأَصِحَّاءِ دَرَجَاتٍ
وَمِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّ الْمَحْذُوفَ كَذَلِكَ الْإِمَامُ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْخُلَاصَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَذْفِ النَّعْتِ وَلِلزَّمَخْشَرِيِّ فِيهِ كَلَامٌ آخَرُ
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لا يأمر بالفحشاء} مع قوله: {أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} وَالْمَعْنَى: أَمَّرْنَاهُمْ وَمَلَّكْنَاهُمْ وَأَرَدْنَا مِنْهُمُ الصَّلَاحَ فَأَفْسَدُوا وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ فِي الْأُولَى أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِهِ شَرْعًا وَلَكِنْ قَضَاءً لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَجْرِيَ في ملكه ما لا يُرِيدُ وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرِ الْكَوْنِيِّ وَالدِّينِيِّ
الثَّالِثُ: لِاخْتِلَافِهِمَا فِي جِهَتَيِ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تقتلوهم ولكن الله قتلهم} أُضِيفَ الْقَتْلُ إِلَيْهِمْ عَلَى جِهَةِ الْكَسْبِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَنَفَاهُ عَنْهُمْ بِاعْتِبَارِ التَّأْثِيرِ وَلِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ إِنَّ الْأَفْعَالَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى مُكْتَسَبَةٌ لِلْآدَمِيِّينَ فَنَفِيُ الْفِعْلِ بِإِحْدَى الْجِهَتَيْنِ لَا يُعَارِضُهُ إِثْبَاتُهُ بالجهة الأخرى
وَكَذَا قَوْلُهُ: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رمى} رمى أي ما رميت خلقا إذ رَمَيْتَ كَسْبًا وَقِيلَ إِنَّ الرَّمْيَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْقَبْضِ وَالْإِرْسَالِ وَهُمَا بِكَسْبِ الرَّامِي وَعَلَى التَّبْلِيغِ وَالْإِصَابَةِ وَهُمَا بِفِعْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وَهِيَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقٌ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَهُ إِلَى نَبِيِّهِ ثُمَّ نَفَاهُ عَنْهُ وَذَلِكَ فِعْلٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْصِيلُ إِلَيْهِمْ وَمِنْ نَبِيِّهِ بِالْحَذْفِ وَالْإِرْسَالِ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَزِمَ مِثْلُهُ فِي سَائِرِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ الْمُكْتَسَبَةِ فَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى الْإِنْشَاءُ وَالْإِيجَادُ وَمِنَ الْخَلْقِ الِاكْتِسَابُ بِالْقُوَى
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الرِّجَالُ قوامون على النساء} وقال تعالى: {وقوموا لله قانتين} فَقِيَامُ الِانْتِصَابِ لَا يُنَافِي الْقِيَامَ بِالْأَمْرِ لِاخْتِلَافِ جِهَتَيِ الْفِعْلِ
الرَّابِعُ: لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ كقوله: {وترى وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بميت} وَهُوَ يَرْجِعُ لِقَوْلِ الْمَنَاطِقَةِ الِاخْتِلَافُ بِالْإِضَافَةِ أَيْ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ مَجَازًا وَمَا هُمْ بِسُكَارَى بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْخَمْرِ حَقِيقَةً
وَمِثْلُهُ فِي الِاعْتِبَارَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} وَقَوْلُهُ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يسمعون} وقوله تعالى: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ النَّظَرِ نَفْيُ الْإِبْصَارِ لِجَوَازِ قَوْلِهِمْ نَظَرْتُ إِلَيْهِ فَلَمْ أُبْصِرْهُ