فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 4470 من 466147

البلاغة يجنح إلى الوضع والتأصيل حتى أنك لو قابلت ما فيه من أمثلتها بأحسن ما استخرجه العلماء من جملة كلام العرب، لأصبتَ فرق ما بين ذلك فِي سمو الطبيعة اللغوية وأحكام البيان وانتظام محاسنه، كالفرق الذي تكشفه المقابلة ما بين النبوغ والتقليد ولله المثل الأعلى.

ولقد كان هذا القرآن الكريم بما استجمع من ذلك، هو (علم البلاغة) عند أولئك العرب الذين كانت البلاغة فيهم إحساساً محضاً، ثم صار من بعدهم بلاغة هذا العلم فِي المولدين، وهو على ذلك ما بقيت الأرض، فكان العرب يثلقون عنه البلاغة بوجدانِ الحاسة اللغوية وإحساس الفطرة، كما يتلقى أهل الفن الواحد قواعد النبوغ عن المثال الذي يخرجه لهم نابغة الفن.

من ههنا كانت دهشتهم له، وكان عجبهم منه، إذ رأوه يجري مجرى الفن مما لا يعرفون له فناً، ووجدوه فِي ذلك ببلاغة البلغاء جميعاً، واستيقنوه فوق ما تسعُ الفطرة، ثم صار مَن بعدَهم يأخذ منه أصولَ هذا العلم، عصراً بعد عصر، وقبيلاً بعد قبيل، حتى استقرت البلاغة على

(قواعدها) وهو مع ذلك بحيث كان، لا الفطرةُ استوفت ما فيه ولا الصناعة؛ ولا يزال بعد كأنه فِي نمط بلاغته سر محجَّب.

وهذا أمر لم يقع له نظير فِي التاريخ ولن يقع بعد.

وما من أمة فِي الأرض غير العرب استوفت وجوهَ البلاغة فِي لغتها من كتاب واحد(على أن تكون هذه اللغة من أوسع اللغات

وأبلغهن قصداً واستيفاء كالعربية)

سواء كان لها ذلك الكتاب قبل أن توضع علوم بلاغتها وقبل أن

يعرف منها باب أو فصل من باب أو مثال من فصل كما وقع فِي العربية،

أو بعد أن وضعت، ولا سواء فِي المنزلة والإعجاز أن يكون الكتاب كذلك.

انتهى انتهى. {إعجاز القرآن والبلاغة النبوية/ الرافعي صـ 98 - 176}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت