لا يؤلف أصواتاً لرياضة الصدر بها وصلابة الحلق عليها ولكنه صوَر نفسية فِي الطبيعة وصور طبيعية فِي النفس ، فإذا لم يكن حياً ناطقاً يلمحُ بعضه بعضاً ، ولم يكن بتركيبه وطريقة نظمه كأنما يحمل من معناه للنفس مادة الإرادة أو الفكر لم يُجد شيئاً ، وانقطع به غرضه ، واستهلكه انصراف
النفس عنه ، وصارت معانيه كأن ليس لها أصول فيها ، وكأنها مادة جامدة ، أو روح مادة ميتة ، بل هو ربما سفلَ إلى منزلة الإشارة التي هي اللغة الأولى منذ كان الإنسان يتكلم بحواسه ، والتي هي
أضعف الكلام وأخفاه وأشد التباساً فِي مذاهب المعاني النفسية ، لأنها
(أي الإشارة) باب من النطق الصامت ؛
كما أن ذلك لون من الصمت الناطق .
أما الأصوات الثلاثة التي أومأنا إليها فهي:
صوت النفس ، وهو الصوت الموسيقي الذي يكون من تأليف النغم بالحروف
ومخارجها وحركاتها ومواقع ذلك من تركيب الكلام ونظمه على طريقة متساوقة وعلى نضد متساو ، بحيث تكون الكلمة كأنها خطوة للمعنى فِي سبيله إلى النفس ، إن وقف عندها هذا المعنى قطع به .
صوت العقل ، وهو الصوت المعنوي الذي يكون من لطائف التركيب فِي جملة الكلام ،
ومن الوجوه البيانية التي يداورُ بها المعنى ، لا يخطئ طريقَ النفس من أي الجهات انتحى إليها .
صوت الحس ، وهو أبلغهن شأناً ، لا يكون إلا من دقة التصور المعنوي ، والإبداع فِي تلوين الخطاب ، ومجاذبة النفس مرة وموادعتها مرة ، واستيلائه على محضها بما يورد عليها من وجوه البيان ،
أو يسوق إليها من طرائف المعاني ، يدعها من موافقته والإيثار له كأنها هي التي تريده وكأنها هي التي تحاول أن يتصل أثرها بالكلام ، إذ يكون قد استحوذ عليها وانفرد منها بالهوى والاستجابة .
وعلى مقدار ما يكون فِي الكلام البليغ من هذا الصوت ، يكون فيه من روح البلاغة ، فإن خرجَ مما وقفت عنده الطباع النفسية فلم يكن فِي بعض الكلام مقداراً معيناً تحسه فِي جهة وتفقده