ونحن لا نمنع أن يكون للرجل شيء من هذا ومثله ، وإن لم يكن فِي طبقة شعره ولا فِي وزن ما يؤثر عنه من فصول النثر ، كقوله وقد كتب به إلى صديق له فِي مصر كان يغشاه فِي علته حين مرض ، فلما أبَل انقطع عنه فكتب إليه:"وصلتَني - وصلك الله - معتلاً ؛ وقطعتني مُبِلا ؛ فإن"
رأيت أن لا تحببَ العلةَ إليَّ ولا تكدر الصحة على ، فعلتَ إن شاء الله""
فإن هذا وشبهه إنما هو بعض شعره منثوراً ، وهي المعاني التي تقع فِي خواطر الشعراء قبل النظم ، وما من شاعر بليغ إلا
هو يحسن أن يقول هذا وأحسن منه ، وإن كان فيما وراء ذلك من صناعة الترسل ودواوين الكتابة لا يغني قليلاً ولا كثيراً .
ولم يكن المتنبي كاتباً ، ولا بصيراً بأساليب الكتابة وصناعتها ووجوهها ، ولا هو عربي قُح من فصحاء البادية ، وإن كان فِي حفظ اللغة ما هو ؛ فليس يمنع سقوط ذلك الكلام الذي نسبَ إليه
من أن تكون نسبته إليه صحيحة لأنه لو أراده فِي معارضة القرآن ما جاء بابلغ منه ؛ وما المتنبي بأفصح عربية من العنسي ولا مسيلمة ، وقد كان فِي قوم أجلاف من أهل البادية ، اجتمعت لهم رخاوة الطباع ، واضطراب الألسنة ، فلا تعرفهم من صميم الفصحاء بطبيعة أرضهما ولا تعرفهم
في زمن الفصاحة الخالصة ، لأنهم فِي القرن الرابع ، وإذا كانت حماقات مسيلمة قد جازت على أهل اليمامة والقرآنُ لم يزل غضاً طرياً ونور الوحي مشرق على الأرض بعد ، فكيف بالمتنبي فِي بادية السماوة وقويم من بني كلب! وهل عرف الناس نبياً بغير وحي ولا قرآن ؛
(9) وأبو العلاء المعري المتوفى سنة 449 هـ ، فقد زعم بعضهم أنه عارَض القرآن بكتاب سماه (الفصول والغايات ، فِي مجاراة السور والآيات) وأنه قيل له: ما هذا إلا جيد ، غير أنه ليس عليه طلاوة القرآن! فقال: حتى تصقله الألسن فِي المحاريب أربعمائة سنة ، وعند ذلك انظروا
كيف يكون ...