وبالجملة فقد وضع ما لم يكن يمكن أن يوضع أوفى منه فِي عصره ، بيدَ أن القرآن كتاب كل عصر ، وله فِي كل دهر دليل من الدهر على الإعجاز ونحن قد قلنا فِي غير الجهات التي كتبت فيها
كل من قبلنا ، وسيقول من بعدنا فيما يفتح الله به ؛ إن ذلك على الله يسير .
وممن ألَّفوا فِي الإعجاز أيضاً على وجوه مختلفة من البلاغة والكلام وما إليهما: الإمام الخطابي المتوفى سنة 388 هـ ، وفخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 هـ ، والأديب البليغ ابن أبي الإصبع المتوفى سنة 4 65 هـ ، والزملكاني المتوفى سنة 727 هـ وهي كتب بعضها من بعض .
ومن أعجب ما رأيناه أن لابن سراقة كتاباً فِي الإعجاز لامن حيث الأعداد ذكر فيه من واحد إلى ألوف"وهي عبارة مقتضبة رأيناها فِي (كشف الظنون) ولم يكشف لنا عن معناها ، فلا ندري"
أبلغت وجوه الإعجاز فِي كتابه ألوفاً ، أم هذه الألوف غير معجزة ، أو هي يحصي ألوفاً من آيات القرآن والقرآن كله معجزة ؛ على أننا رأينا فِي بعض الكتب نقلاً عن كتاب ابن سراقة هذا ما يأتي:
"اختلف أهل العلم فِي وجه إعجاز القرآن ، فذكروا فِي ذلك وجوهاً كثيرة كلها حكمة وصواب ، وما بلغوا فِي وجوه إعجازه جزءاً واحداً من عشر معشاره! ."
قلنا: ولعل المؤلف بلغ فِي كتابه نهاية هذا الحساب العشري ؛ على أن كتابه لو كان مما ينفع الناس لمكث فِي الأرض ... والله أعلم .
حقيقة الإعجاز
أما الذي عندنا فِي وجه إعجاز القرآن ، وما حققناه بعد البحث ، وانتهينا إليه بالتأمل وتصفح الآراء وإطالة الفكر وإنضاج الروية ، وما استخرجناه من القرآن نفسه فِي نظمه ووجه تركيبه واطراد
أسلوبه ؛ ثم ما تعاطيناه لذلك من التنظير والمقابلة ، واكتناه الروح التاريخية فِي أوضاع الإنسان وآثاره وما نتج لنا من تتبع كلام البلغاء فِي الأغراض التي يقصَد إليها ، والجهات التي يعمل عليها ،