وهذا الذي يروون عنه أحد شطرين من رأيه ، أما الشطر الآخر فهو الإعجاز إنما كان من حيث الإخبار عن الأمور الماضية والآتية .
وقال المرتضى من الشيعة: بل معنى الصرفة أن الله سلبهم العلوم . . التي يُحتاج إليها فِي المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن . فكأنه يقول إنهم بلغاء يقدرون على مثل النظم والأسلوب ولا يستطيعون ما وراء ذلك مما لبسته ألفاظ القرآن من المعاني ؛ إذ لم يكونوا أهل علم ولا كان العلم
في زمنهم ، وهذا رأي بيِّن الخلط كما ترى .
غير أن النطام هو الذي بالغ فِي القول بالصرفة حتى عرفت به ، وكان هذا الرجل من شياطين أهل الكلام ، على بلاغة ولَسَن وحسن تصرف ، بيدَ أنه شب فِي ناشئة الفتنة الكلامية ، فلم ينتفع
بيقين . وقال فيه الجاحظ وهو تلميذه وصاحبه وأخبر الناس به:
"إنما كان عيبه الذي لا يفارقه ، سوء ظنه وجَودَة قياسه على العارض والخاطر والسابق الذي لا يُوثق بمثله ، فلو كان بَدَلَ تصحيحه"
القياس التمس تصحيح الأصل الذي قاس عليه ، كان أمرُه على الخلاف . ولكنه كان يظن الظن ثم يقيس عليه وينسى أن بَدءَ أمره ظناً ، فإذا أتقن ذلك وأيقن ، جَزَم عليه ، وحكاه عن صاحبه حكاية
المستبصِر فِي صحة معناه ؛ ولكنه كان لا يقول سمعت ولا رأيت ، وكان كلامه إذا خرج مخرج الشهادة القاطعة لم يشك السامع أنه إنما حكى ذلك عن سماع قد امتحنه ، أو عن معاينة قد بهرته"اهـ ."
قلنا: وهذا بعض ما ذهب بفضل بلاغته ، وغطى على أثره ، ونقض أمرَهُ عُروة عروة ، وجعله
في أكثر آرائه بعيداً عما هو من غايته ، مُدفعاً إلى ما ينزل عن حقه ؛ حتى جاء رأيه الذي علمتَ فِي مذهب الصرفة دون قدره بل دون علمه ، بل دون لسانه ، وهو عندنا رأي لو قال به صبية المكاتب
وكانوا هم الذين افتتحوه وابتدعوه ، لكان ذلك مذهباً من تخاليطهم فِي بعض ما يحاولونه إذا عمدوا إلى القول فيما لا يعرفون ليُوهِموا أنهم قد عرفوا!