وبَطلَ الاعتراض - ولو من عجز أو عي أو ما هو فِي حكمها من عوارض المنطق - فلذلك هو العلم المحض والرأي الصريح ، وإلا فما دام للشبهة ظل ، وللاعتراض وجه - ولو من المعارضة
والمكابرة - فلا قرار لذلك الرأي ، ولا ثبوت لذلك العلم ، ولا يبلغ الجدال منهما رأياً ولا علماً .
وعلى هذه الجهة رأينا كل أقوالهم فِي إعجاز القرآن: لا يصنعون شيئاً دون أن يُنكر ويدفعَ من ينكر من يدفع ، فإما أن تتعارض الحجج الكلامية فتُسقِط بعضها بعضاً ، وإما أن تقوى واحدة
منهن فتُسقط الباقيات وتبقى هي كلاماً من الكلام لا تصلح لنفي ولا إثبات .
وليس مَن طلب الحق ليعرفه كالذي يطلبه ليعرَف به ، فإن الأول يُنصف من نفسه كما
ينتصف لها ، ولكن الثانيَ خصم لا يريده إلا جدلاً وله مع الجدل قوة الحرص على المؤاربة ،
وشدة الصريحة فِي المراوغة ؛ كيما تنتهي إليه الحجة ويقف عنده البرهان فيكون له الصوت المردد ويصير إليه مرجع القول فِي النحلة أو المذهب ، فهو يَعتسف لذلك ولا جَرَم كل طريق ، ويركب
كل صعب ، ويتحمل من كل وجه ، ويتعنت بكل آية ، وليس له هم دون قوة الإقناع المنطقية ،
ودون الإفحام والتعجيز ومن ثم لا يبالي أن يتورد خصمه بالسفه ، أو يقر له بالسخف ، أو يتبسط على الباطل أو يحتجز دون الحق ، ما دامت هذه كلها أدوات فِي صناعة الكلام ، وما دام الكلام
قادراً بأدواته على أن يصنع الحق أو ما يسمى حقاً ، وإن كانت الصنعة فاسدة أو سقيمة ، وكانت التسمية من خطإٍ أو ضلال .
من أجل ذلك قلنا إنه لا يستقيم لنا برهان صحيح مما نصبنا لاستقرائه فِي هذا الفصل ، ولكن أكبر غرضنا منه أن ندل على تاريخ الكلام فِي القرآن وإعجازه ؛ فإن ذلك واضح النسق بين
السرد فيما تهيأ لنا من هذاه الآراء التي نؤديها كما هي: وفاء بحق التاريخ وتوفية لفائدة ما نحن بسبيله .