ولما كانت هذه الأمور - وهي الخمر والميسر والصلاة والذكر - من الخطورة بمكان، فقد قصرت إرادة الشيطان عليها، وكأن ما عداها لا يُعتد به إذا ما قُورن بها، ولما كانت"إنما"تستعمل في الأمور المعلومة التي لا تُنكر ولا تُدفع فقد أوثرت بالتعبير هنا لتنبئ بأن هذا الأمر من الأمور المعلومة، التي لا يُنكرها أحد ولا يدفعها مدافع، ومثل ذلك قول الله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 169) حيث قصر ما يأمر به الشيطان على السوء والفحشاء والقول على الله بغير علم قصرًا حقيقيًّا، وقوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: 28) ؛ حيث قصر خشية الله على العلماء قصرًا حقيقيًا غير تحقيقي، وقوله: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة: 181) ؛ إذ أراد أنّ من بدل الوصية وحرّفها وغيّر حكمها فالإثم واقع عليه وحده، والله - سبحانه وتعالى - مطّلع عليه وكاشف أمره، وواضح أن القصر في الآية قصر صفة الإثم أو العقاب على الذين يُبدلون قصر صفة على موصوف قصرًا حقيقيًا تحقيقيًّا.
وتأمل قول الله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} (الرعد: 7) تجد أنه قصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على صفة الإنذار، لا يتعداها إلى الإتيان بالآيات، فهو قصر إفراد؛ إذ يعتقد الكافرون أنه - عليه الصلاة والسلام - يجمع بين صفتي الإنذار والإتيان، وقد ذكر عبد القاهر"إنما"لا تستعمل إلا في قصر القلب، والصواب - ما ذكرنا - وهي أنها تستعمل في كل أنواع القصر - كما رأينا وكما هو عليه جمهور البلاغيين.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ... (178) }
ومما يتراءى فيه المجاز على هذه الشاكلة قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}
إذ المراد بالقتلى في هذا النسق الأحياء الذين سيصيرون بالعدوان عليهم قتلى، والذي دل على هذا المراد هو ذكر القصاص؛ لأنه لا يقتص لإنسان من أحد قبل أن يقتل، وإنما عبر عنه بالقتلى لإيمائه بسبب القصاص وعلته.