السُّؤَالُ الرَّابِعُ: هَلِ انْقَلَبَ ذَلِكَ التِّمْثَالُ لَحْمًا وَدَمًا عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ أَوْ بَقِيَ ذَهَبًا كَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ؟
وَالْجَوَابُ: الذَّاهِبُونَ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ احْتَجُّوا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: (عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ) وَالْجَسَدُ اسْمٌ لِلْجِسْمِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ اللَّحْمِ وَالدَّمِ وَمِنْهُمْ مَنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ بَلِ الْجَسَدُ اسْمٌ لِكُلِّ جِسْمٍ كَثِيفٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ اللَّحْمِ وَالدَّمِ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ لَهُ خُوَارًا وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي الْحَيَوَانِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ ذَلِكَ الصَّوْتَ لَمَّا أَشْبَهَ الْخُوَارَ لَمْ يَبْعُدْ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْخُوَارِ عَلَيْهِ.
(وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ...(150)
وهاهنا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَيْنَ مَا يَقْتَضِيهِ «بِئْسَ» مِنَ الْفَاعِلِ وَالْمَخْصُوصِ بِالذَّمِّ؟
وَالْجَوَابُ: الْفَاعِلُ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: «مَا خَلَفْتُمُونِي» وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بِئْسَ خِلَافَةً خَلَفْتُمُونِيهَا مِنْ بَعْدِي خِلَافَتُكُمْ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَيُّ مَعْنًى لِقَوْلِهِ: (مِنْ بَعْدِي) بَعْدَ قَوْلِهِ: (خَلَفْتُمُونِي) ؟
وَالْجَوَابُ: مَعْنَاهُ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَيْتُمْ مِنِّي مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَفْيِ الشُّرَكَاءِ عَنْهُ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ.
أَوْ مِنْ بَعْدِ مَا كُنْتُ أَحْمِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ عِبَادَةِ الْبَقَرِ حِينَ قَالُوا اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ وَمِنْ حَقِّ الْخُلَفَاءِ أَنْ يَسِيرُوا سِيرَةَ الْمُسْتَخْلَفِينَ.