الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا جَاءُوا لِإِلْقَاءِ تِلْكَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ وَعَلِمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُمْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّخْيِيرُ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَذِنَ لَهُمْ فِي التَّقْدِيمِ ازْدِرَاءً لِشَأْنِهِمْ وَقِلَّةَ مُبَالَاةٍ بِهِمْ وَثِقَةً بِمَا وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ وَالْقُوَّةِ وَأَنَّ الْمُعْجِزَةَ لَا يَغْلِبُهَا سِحْرٌ أَبَدًا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُرِيدُ إِبْطَالَ مَا أَتَوْا بِهِ مِنَ السِّحْرِ وَإِبْطَالُهُ مَا كَانَ يُمْكِنُ إِلَّا بِإِقْدَامِهِمْ عَلَى إِظْهَارِهِ فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْإِتْيَانِ بِذَلِكَ السِّحْرِ لِيُمْكِنَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى إِبْطَالِهِ وَمِثَالُهُ أَنَّ مَنْ يُرِيدُ سَمَاعَ شُبْهَةِ مُلْحِدٍ لِيُجِيبَ عَنْهَا وَيَكْشِفَ عَنْ ضَعْفِهَا وَسُقُوطِهَا يَقُولُ لَهُ هَاتِ وَقُلْ وَاذْكُرْهَا وَبَالِغْ فِي تَقْرِيرِهَا وَمُرَادُهُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَجَابَ عَنْهَا بَعْدَ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ ضَعْفُهَا وَسُقُوطُهَا فَكَذَا هاهنا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ(118) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (119)
«فَإِنْ قِيلَ» : قَوْلُهُ: (فَوَقَعَ الْحَقُّ) يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ هَذَا الظُّهُورِ فَكَانَ قَوْلُهُ: (وَبَطَلَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ) تَكْرِيرًا مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ؟
قُلْنَا: الْمُرَادُ أَنَّ مَعَ ثُبُوتِ هَذَا الْحَقِّ زَالَتِ الْأَعْيَانُ الَّتِي أَفَكُوهَا وَهِيَ تِلْكَ الْحِبَالُ وَالْعِصِيُّ فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَتِ الْغَلَبَةُ فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (فَغُلِبُوا هُنالِكَ) لِأَنَّهُ لَا غَلَبَةَ أَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ لِأَنَّهُ لَا ذُلَّ وَلَا صَغَارَ أَعْظَمُ فِي حَقِّ الْمُبْطِلِ مِنْ ظُهُورِ بُطْلَانِ قَوْلِهِ وَحُجَّتِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ فِيهِ حِيلَةٌ وَلَا شُبْهَةٌ أَصْلًا.
(وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ(120) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (122)