[336] فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) [الأعراف: 142] وقد علم مجموع الميقات من قوله تعالى: (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ؟
قلنا: فيه فوائد: إحداها: التأكيد.
الثانية: أن يعلم أن العشر ليال لا ساعات.
الثالثة: أن لا يتوهم أن العشر التي وقع بها الإتمام كانت داخلة في الثلاثين، يعني كانت عشرين وأتمت بعشر، كما في قوله تعالى: (وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) [فصلت: 10] على ما نذكره مشروحا في حم السجدة.
[337] فإن قيل: لم قال موسى عليه الصلاة والسلام: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) [الأعراف: 143] وقد كان قبله كثير من المؤمنين، وهم الأنبياء ومن آمن بهم؟
قلنا: معناه وأنا أول المؤمنين بأنك يا الله لا ترى بالحاسة الفانية من الجسد الفاني في دار الفناء.
وقيل معناه: وأنا أول المؤمنين من بني إسرائيل في زماني.
وقيل: أراد بالأول الأقوى والأكمل في الإيمان، يعني لم يكن طلبي للرؤية لشك عندي في وجودك أو لضعف في إيماني؛ بل لطلب مزيد الكرامة.
[338] فإن قيل: كيف قال: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها) [الأعراف: 145] أي التوراة؛ وهم مأمورون بالعمل بكل ما في التوراة؟
قلنا: معناه بحسنها وكلها حسن.
الثاني: أنهم أمروا فيها بالخير ونهوا عن الشر، ففعل الخير أحسن من ترك الشر.
الثالث: أن فيها حسنها وأحسن كالاقتصاص والعفو، والانتصار والصبر، والواجب والمندوب والمباح، فأمروا بالأخذ بالعزائم والفضائل وما هو أكثر ثوابا.
[339] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ) [الأعراف: 148] واتخاذهم العجل كان في زمن موسى عليه السلام بالنقل، وفي سياق الآية ما يدل على ذلك.
قلنا: معناه من بعد ذهابه إلى الجبل.
وقيل: من بعد الأخذ عليهم أن لا يعبدوا غير الله.
[340] فإن قيل: كيف عبر عن الندم بالسقوط في اليد في قوله تعالى: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) [الأعراف: 149] وأي مناسبة بينهما؟
قلنا: لأنّ من عادة من اشتد ندمه وحسرته على فائت أن يعض يده غما، فتصير يده مسقوطا فيها؛ لأن فاه قد وقع فيها؛ وسقط مسند إلى قوله في أيديهم، وهو من كنايات العرب كقولهم للنائم: ضرب على أذنه.