ولا يحسن أن تقول: إنه قطع همزة الوصل ارتجالًا هكذا ؛ لأن هذا إنما يسوغ لضرورة الشعر. فأما في القرآن فمعاذ الله وحاشا أبي عمرو ، ولا سيما وهذه الهمزة هنا إنما هي في فعل ، وقلما جاء في الشعر قطع همزة الوصل في الفعل ؛ وإنما يجيء الشيء النزر من ذلك في الاسم ، نحو قول جميل:
ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة على حَدَثان الدهر مني ومن جُمْل1
وقول الآخر:
يا نفس صبرًا كل حي لاق وكل إثنين إلى افتراق2
أي: لاق منيته ، فحذف المفعول ، وإنما قل قطع همزة الوصل هذه في الفعل ، وجاء ما جاء من ذلك في الاسم ؛ حيث كان الفعل مظنة من همزة الوصل ، وإنما تدخل من الأسماء ما ضارع الفعل.
وباب همزات الأسماء أن تكون قطعًا ، فلما غلب القطع عليها جرت الألسن على العادة في ذلك ، واستجازوا قطع همزة الوصل لما ذكرنا.
وليست حال همزة الوصل في الفعل كذلك ؛ لأنها معتادة هناك ، فازداد قطعها من الفعل ضِيقَ عُذْرٍ لما ذكرنا.
فأما"حتى إذآ ادَّاركوا"بإثبات ألف"إذا"مع سكون الدال من"ادَّاركوا"فإنما ذلك لأنه أجرى المنفصل مجرى المتصل ، فشبهه بشابَّة ودابَّة ونحو قولهم: لاهآ الله ذا بإثبات الألف في"ها"، وترك حذفها لالتقاء الساكنين كما حذفت في قول من قال: لاها الله ذا3.
وقال لي أبو علي: فيها أربع لغات: لاهَا لله ذا بحذف الألف ، ولاهآ الله ذا بمدها تشبيهًا بالمتصل على ما مضى في دابة. ولاهآ ألله بإثبات ألف ها وهمزة الله بوزن لاها عَلَّاة ذا.
والرابعة: لاهَأللهِ ذا في وزن هَعَلّله ذا ، تحرك ألف"ها"لالتقاء الساكنين وتقلبها همزة ، كما قرأ أيوب السختياني:"ولا الضَّأَلِّين"، بوزن الضَعَلِّين. وعليه ما حكاه أبو زيد من قولهم: شأَبَّة ومأَدَّة.
ومثله أيضًا قراءة أبي عمرو ، ورويناها عن قطرب عنه:"قالوا اطَّيْرنا"4 ، وحُكي عن بعضهم: هذان عبدآ اللهِ.
1 انظر: كتاب الضرائر للألوسي: 135.
2 انظر: الخصائص: 2/ 475.
3 كتب في الأصل كلمة"قصر"فوق"ها".
4 سورة النمل: 47.