الدنيا مما لا تحتمله بنية موسى، قالوا فأعلمه أنَّه لن يرى ذلك الأمْر، وأن
معنى. (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) : تجلى أمر رَبِّه.
وهذا خطأ لا يعرفه أهل اللغة، ولا في الكلام دليل أن موسى أراد أن
يرى أمراً عظيماً من أمْرِ اللَّه، وقد أراه اللَّه من الآيات في نفسه ما لا غاية
بَعْدَه.
قد أراه عصاه ثعباناً مبيناً، وَأراه يده تخرج بيضاءَ من غير سوءٍ وكان
أدم، وفرَق البحر بعصاه. فأراه من الآيات العظام ما يستغنى به عن أن
يطلبَ أمراً من أَمر الله عظيماً، ولكن لما سَمِعَ كلام الله قال: رب أرني أنظُر
إِليك، سمعت كلامك فأنا أحب أن أراك. فأعلمه الله جل ثناؤُه إنَّه لن يراه.
ذم أمره الله أن يشكره، فقال:
(يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ(144)
أي اتخذتك صفوةً على الناس.
(بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي) .
ولو كان إِنما تَبعَ كَلَامَ غير الله لما قال برسالاتي وبكلامي، لأن
الملائكة تنزل إلى الأنبياءِ بكلام اللَّه.
وقوله: (فَخُذْ مَا آتيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرين) .
ثم أعلَم اللَّه جل ثناؤه أنَّه قد أعطاه من كل شيء ٍ يحتاج من أمر الدِّين
مع ما أراه من الآياتِ فقال جلَّ وعزَّ:
(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ(145)
وقيل في التفسير إِنهما كانا لوحين. ويجوز في اللغة أن يقال للوحين
ألواح. ويجوز أن يكون ألواح جمع أكثَر مِنَ اثْنَين.
وقوله: (فَخُذْهَا بِقُوة) أي خُذْها بقوةٍ فِي دينك وَحجتِكِ.
وقوله: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) .