وأجاز الفراء. . ما جاءَني غيرَكَ بِنَصْبِ غيرَ، وهذا خطأٌ
بيِّن، إنما أنشد الخليل وسيبويه بيتاً أجازا فيه نصب غير، فاستشهد هو بذلك البيت واستهواه اللفظ في قولهما إن الموضعَ موضِعُ رفع.
وإنما أضيفت غير في البيت إلى شيء ٍ غير متمكن فبنيت على الفتح كما يبنى يوم إذَا أضِيفَ إلى إذْ على الفتح.
والبيت قول الشاعر:
لم يَمْنع الشُّرْبَ منها غَيْرَ أَن نطقت... حمامة في غُصُونٍ ذاتِ أَوْقالِ
وأكثرهم ينشده غيرَ أن نطقت، فلما أضاف غير إلى"أنْ"فتح غير، ولو
قلت: ما جاءَ في غيرَك لم يجز. ولوجاز هذا لجاز ما جاءَني زيداً.
وقوله: (قَدْجَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبكُمْ) .
دعاهم إلى التوحيد ودلهم على نُبُوتةِ بالناقة فقال:
(هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لكُمْ آيَةً) .
(آيَةً) انتصب على الحال، أي أنظروا إلى هَذه الناقَةِ آية أي عَلامَةً.
وقد اختلف في خبرها، فقيل في بعض التفسير: إِن الملأ من قوم
صالح كانوا بين يديه فسألوه آية وكانت بين يديه صفاة - وهي الصخرة - فأخرج الله منها ناقة معها سَقْبُها أي وَلَدُها.
وجاءَ في بعض التفسير أنه أخذ ناقة من سائر النوق، وجعل الله لها
شِرْباً يوماً وَلَهُمْ شربُ يومِ. وذُكِرَتْ قصته في غير هذا الموضع فقال:
(هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ(155) .
فكانت تشرب يوما ثم تُفْحِجُ يوماً آخر في وادِ فلا تزال تحتلب ولا ينقطع حلَبُها ذلك اليوم.
فجائز أن يكون أمرُ خروجها من الصخرة صحيحاً، وجائز أن يكون أمر
حلبها صحيحاً. وكل منهما آية معجزة تدل على النبوة.
وجائز أن تكونَ الرِّوَايَتَانِ صحيحتَيْنِ فَيُجْمَعُ أنَّها خرجت من صخرة وأن حَلْبَهَا على ما ذَكَرْنَا.
ولم يكن ليقول: (قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) فتكون آية فيها لبسٌ.