(وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) الرزق فِي اللغة العطاء ، ثم شاع استعماله فيما ينتفع به الحيوان وجمهرة المسلمين على أن كل ما ينتفع به حلالا كان أو حراما فهو رزق ، وخصه جماعة بالحلال فقط.
والإنفاق والإنفاد أخوان ، خلا أن فِي الثاني معنى الإذهاب التام دون الأول ، والمراد بالإنفاق هنا ما يشمل النقمة الواجبة على الأهل والولد وذوى القربى ، وصدقة التطوع.
وفى قوله: مما رزقناهم إيماء إلى أن النفقة المشروعة تكون بعض ما يملك الإنسان ، لا كل ما يملك ، وإلى تعليم الإنسان مبادئ الاقتصاد وحبّ ادّخار المال.
وإن من يجد فِي نفسه ميلا إلى بذل أحب الأشياء إليه ، وهو ماله ابتغاء رضوان اللّه ، وقياما بشكره على أنعمه ، رحمة لأهل البؤس والعوز - كان من المتقين المستعدين لهدى القرآن ، وكثير من الناس يصلون ويصومون ، ولكن إذا عرض لهم ما يدعو إلى إنفاق شيء من المال فِي سبيل اللّه ، كأن تدعو الحاجة إلى إنفاقه فِي مصلحة من مصالح المسلمين أو منفعة عامة لا تقوم إلا بالبذل - أعرضوا ونأوا ولم تطاوعهم أنفسهم على بذل شيء منه.
والإنزال هنا بمعنى الوحي ، وسمى إنزالا لما فِي جانب الألوهية من علو الخالق على المخلوق ، أو لإنزال جبريل له على النبي صلى اللّه عليه وسلم لتبليغه للخلق كما قال:
(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) .
(وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) هو التوراة والإنجيل وسائر الكتب السالفة ، فيؤمنون بها إيمانا إجماليا لا تفصيليا.
(وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) الدار الآخرة هي دار الجزاء على الأعمال - والإيمان بها يتضمن الإيمان بكل ما ورد فبها بالنصوص المتواترة كالحساب والميزان والصراط ، والجنة والنار.