كما أمر إذا تثاءب الإنسان أن يضع يده على فمه لئلا يدخل الشيطان، وإنما أراد به ما عسى أن يمده النفس عن غبارة أو ذبابة إن كانت بالقرب، أو صوفة أو شعرة إن كانت في الهواء، فيما إذا علق بالفم، اضطرب منه النفس وغثيت، إلى أن يقذفه ويتخلص منه، ويشبه أن يكون سماه شيطاناً لأنه مؤذي، مضر فشبهه به.
كما يقال: للرجل الشجاع أسد، والبليد حمار.
وقد يكون النهي عن الشرب من الثلمة لأن الماء لا ينزل منه كما ينزل من فم الإناء، لكنه يتفرق فيصب من حوافها ويبتل ثوب الشارب فيتأذى به، فكأن شيطاناً هناك يكيده ويؤذيه.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه نهى عن اجتناب الأسقية.
وقد قيل إنما نهى عن ذلك لأنه لا يطيب نفس كل أحد لشرب ماء اسأره غيره أو المتوضئ به، فلا يؤمن أن يفسد جميع ما في السقاء إذا شرب الشارب منه، وإنما نهى عن الإجتناب، لأنه كذلك يفعل ليسهل الشرب في الأسقية.
وينظر في هذا الحديث من كتاب غريب الحديث ومن ورد على نهر فليفرق بينه بكفه ولا يكرع فيه.
روى أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «لا تشربوا الكرع - ولكن يشرب أحدكم في كفيه» وقد يكون النهي عن هذا ليعلم الشارب كم شرب ولا يتعدى ولا يسرف لئلا يضره الماء.
ولأن الماء ربما كانت فيه قذاة يجري بها الماء عند مد النفس إلى فمه وحلقه فيتأذى به وإذا أبصر بها في كفه أراقه وأخذ غيره وإن كان الماء في حوض صغير أو مستنقع فيتكاثر الناس عليه كريهاً، أرسلوا فيه نفاسهم فربما صار ذلك سبباً لامتناع غيرهم من الشرب فيكونوا كمن يشرب من الإناء فيتنفس فيه فيمنعه بذلك من غيره.
وأما إذا كان ذلك من نهر جار فهذه العلة زائلة والله أعلم.
وإذا كان عند الرجل أصحاب عن يمينه وشماله، وشرب من لبن أو عسل أو ما كان من الأشربة المباحة، وأراد أن يشرك الحاضرين فيه.
فليعطه الأيمن حتى إذا لم يبق منهم أحداً أعطي الأياسر.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - شرب لبناً، وعن يساره أبو بكر رضي الله عنه، وعن يمينه أعرابي، فأعطي للأعرابي فضله، ثم قال: «الأيمن فالأيمن» .
وروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أتي بقدح فشرب، وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره، فقال: «ما كنت لأوثر فضل فيك أحداً يا رسول الله، فأعطاه إياه» .