إذن فالأكل من ضمن التذليل ، وعندما تذبح الحيوان لا بد أن تذكر من ذلل لك ذلك . ويحرم الحق أكل المنخنقة ، أي الحيوان الذي مات خنقاً ؛ لأن قوام الحياة ثلاثة ؛ طعام ، شراب ، هواء ، وهذا من حكمة الخالق الذي خلق الصنعة ورتب الأمر حسب الأهم والمهم ، فالإنسان قد يصبر على الجوع إلى ثلاثين يوماً ؛ لأن ربنا سبحانه وتعالى قدر لك - أيها الإنسان - ظروف الأغيار ، فجعل في جسمك مخزونا لزمن قد تجوع فيه ، وجعل للإنسان شهوة إلى الطعام ، وغالبا لا يأكل الإنسان ليسد الرمق فقط ، ولكن بشهوة في الأكل .
إن ربنا يوضح لنا: أنا أحترم شهوتك للطعام ، ولتأخذ حركتُك الضروريَّ لها من الطاقة ، والزائد سيُخزن في الجسم كدهون ولحم ، فإن جاء يوم لا تجد فيه طعاماً أخذت من الدهون المخزونة طاقة لك . وهذه من دقة الصنعة ، وإن قارنتها بسيارة صنعها الإنسان إذا ما فرغ منها الوقود فإنها تقف ولا تسير ، أما صنعة الخالق فهي لا تقف إن توقف الطعام بل تستمر إلى ثلاثين يوماً ، وربما حن على الإنسان قلب إنسان آخر فأحضر له الطعام ، وربما احتال الإنسان ليخرج من مأزق عدم وجود الطعام .
إن المرأة العربية وصفت الشدة والعوز فقالت:"سنة أذابت الشحم ، وسنة أذهبت اللحم ، وسنة محت العظم"أي أن الأمر درجات ، فالإنسان يتغذى من دهنه ثم من لحمه ثم من عظامه ، ويصبر الإنسان على الماء مدة تترواح ما بين ثلاثة ، وعشرة أيام ، حسب كمية المياه المخزونة في الجسم . أما الهواء فلا يصبر عنه الإنسان إلا بمقدار الشهيق والزفير ، فإن حُبس الهواء عن الإنسان مات . فالنَفَس هو أهم ضرورة للحياة ، ولذلك نجد من حكمة الحق سبحانه أنه لم يملّك الهواء لأحد ؛ لأن أحداً لو امتلك الهواء بالنسبة لإنسان آخر فقد يمنع عنه الهواء لحظة غضب فتنتهي منه الحياة .