وقال ابن عطية: ظهور أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وظهور دينه ، يقتضي أن يئس الكفار عن الرجوع إلى دينهم قد كان وقع منذ زمان ، وإنما هذا اليأس عندي من اضمحلال أمر الإسلام وفساد جمعه ، لأنّ هذا أمر كان يترجاه من بقي من الكفار.
ألا ترى إلى قول أخي صفوان بن أمية في يوم هوازن حين انكشف المسلمون فظنها هزيمة.
ألا بطل السحر اليوم.
وقال الزمخشري: يئسوا منه أن يبطلوه وأن يرجعوا محللين لهذه الخبائث بعدما حرمت عليكم.
وقيل: يئسوا من دينكم أن يغلبوه لأنّ الله وفى بوعده من إظهاره على الدين كله انتهى.
وقرأ أبو جعفر: ييس من غير همز ، ورويت عن أبي عمرو.
{فلا تخشوهم واخشون} قال ابن جبير: فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم.
وقال ابن السائب: فلا تخشوهم أن يظهروا على دينكم.
وقيل: فلا تخشوا عاقبتهم.
والظاهر أنه نهى عن خشيتهم إياهم ، وأنهم لا يخشون إلا الله تعالى.
{اليوم أكملت لكم دينكم} يحتمل اليوم المعاني التي قيلت في قوله: اليوم يئس.
قال الجمهور: وإكماله هو إظهاره ، واستيعاب عظم فرائضه ، وتحليله وتحريمه.
قالوا: وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير كآيات الربا ، وآية الكلالة ، وغير ذلك ، وإنما كمل معظم الدين ، وأمر الحج ، إنْ حجوا وليس معهم مشرك.
وخطب الزمخشري في هذا المعنى فقال: كفيتكم أمر عدوكم ، وجعلت اليد العليا لكم ، كما تقول الملوك: اليوم كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد إذا كفوا من ينازعهم الملك ، ووصلوا إلى أغراضهم ومباغيهم.
أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه من تعليم الحلال والحرام ، والتوقيف على الشرائع ، وقوانين القياس ، وأصول الاجتهاد انتهى.
وهذا القول الثاني هو: قول ابن عباس والسدي قالا: اكمال فرائضه وحدوده ، ولم ينزل بعد هذه الآية تحليل ولا تحريم ، فعلى هذا يكون المعنى: أكملت لكم شرائع دينكم.
وقال قتادة وابن جبير: كما له أن ينفي المشركين عن البيت ، فلم يحج مشرك.