فكل من الإدراك والوجدان يصنعان تفاعلاً في التركيب الكيماوي للرجل . فإما أن يعف الإنسان نفسه ويكبت أحاسيسه ، وإما ألا يعف فيلغ في أعراض الناس ؛ لذلك يخدم الشرع الإنسان من أول الأمر حين يأمره بغض البصر: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذلك أزكى لَهُمْ إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 30 - 31]
هنا يتدخل الشرع من أول مرحلة الإدراك ، فبعدها لا يمكن فصل النزوع عن المواجيد ؛ لأن رؤية المرأة تحدث تفاعلاً كيماوياً في نفس الرجل ، وكذلك الرجل يحدث تفاعلاً كيماوياً في نفس المرأة . أما الوردة فلا تحدث مثل هذا التفاعل . ويستطيع الإنسان اقتناء زهرية للورود .
إذن فالمراد أن الحق سبحانه وتعالى لم يمنع المؤمن أن تجيش عواطفه البشرية بالبغض وبالكره ؛ لأن ذلك انفعال مطلوب للإيمان . وبعض من أعداء الإسلام يقول: آيات القرآن تتعارض ؛ لأنه يقول: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ} [المجادلة: 22]
والنسب الإيماني يمنع ذلك .
ويقول القرآن في موضع آخر {وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً} [لقمان: 15]
والذي يتعمق جيداً يعرف أن المعروف يصنعه الإنسان مع من يحب ومن لا يحب . أما الودّ فهو عمل القلب ، وهذا ما نهى عنه الله بالنسبة للمشركين به ، أما المعروف فالمسلم مطالب أن يفعله حتى بالنسبة لمن يكرهه .