لماذا إذن جاء الحق هنا بالشهر الحرام بينما نحن نعرف أن الأشهر الحرم أربعة؟ إن نظرنا إلى الأشهر الحرم كجنس فهي تطلق على كل شهر من الشهور الأربعة ، وإذا اعتبرنا الشهر الحرام أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة ، فالمعنى صحيح ونعرف أن الأشهر الحرم أربعة ، ثلاثة متصلة ، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد منفصل هو رجب ، وسبحانه وتعالى يعلم أن كل فعل من الأفعال لابد له من زمان ولابد له من مكان . فحبن لا يوجد حدث ، لا يوجد زمان ولامكان ، ولم يأت الزمان والمكان إلا بعد أن أحدث الله في كونه شيئاً . ولا يقولن واحد: متى كان الله ولا أين كان الله ؛ لأن"متى"و"أين"من مخلوقات الله . وجعل سبحانه لكل حدث زماناً ومكاناً . ولذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليحمي عزة الناس وليجعل لهم من تشريعه الرحيم ستاراً يستتر فيه ضعيفهم ، ويراجع فيه قويُّهم لعله يرعوي ويرجع عن غيّه وظلمه فأوجد أماكن محرمة ، وأزمنة محرمة ، والأماكن المحرمة هي التي عند الحرم: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 97]
حيث يُؤَمَّن الإنسان أخاه الإنسان إذا ما دخل الحرم . وكذلك في الزمان جعل سبحانه الأشهر الحرم .
لقد أخذ الحق الحدث للزمان والمكان . وكان القوي قديماً يحارب ويقترب من النصر . وعندما يهل الشهر الحرام يستمر في الحرب ، ثم يعلن أن الشهر الحرام هو الذي سيأتي بعد الحرب ، ولذلك يأمر سبحانه بعدم تغيير زمان الشهر الحرام ؛ لأن الله يريد بالشهر الحرام أن ينهي سعار الحرب .
وبعد ذلك يقول الحق: {وَلاَ الهدي} والهدي هو ما يهدي إلى الحرم ؛ وهو جمع هدية ، وهناك من يقدم للكعبة هدية ، ومجموع الهدايا تسمى هدياً . وهدي الحرم إنما جعله الله للحرم ؛ فالحرم قديماً كان بوادٍ غير ذي زرع ، ولم تكن به حيوانات كثيرة .