الثالثة عشرة قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى} قال الأخفش: هو مقطوع من أوّل الكلام، وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى؛ أي لِيُعِنْ بعضُكم بعضاً، وتحاثّوا على ما أمر الله تعالى واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه؛ وهذا موافق لما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الدَّال على الخير كفاعله"وقد قيل: الدّال على الشر كصانعه.
ثم قيل: البِرّ والتقوى لفظان بمعنى واحد، وكرّر باختلاف اللفظ تأكيداً ومبالغة؛ إذ كل بِرّ تقوى وكل تقوى برّ.
قال ابن عطية: وفي هذا تسامح مّا، والعرف في دلالة هذين اللفظين أن البِرّ يتناول الواجب والمندوب إليه، والتقوى رعاية الواجب، فإن جعل أحدهما بدل الآخر فبتجوّز.
وقال الماورديّ: ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبِرّ وقرنه بالتقوى له؛ لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البِرّ رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته.
وقال ابن خويزِمنداد في أحكامه: والتعاون على البرّ والتقوى يكون بوجوه؛ فواجب على العالِم أن يعيِن الناس بعِلمه فيعلمهم، ويعينهم الغنِيّ بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة:"المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم"ويجب الإعراض عن المتعدي وترك النصر له وردّه عما هو عليه.
ثم نهى فقال: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان} وهو الحكم اللاحق عن الجرائم، وعن"الْعُدْوَانِ"وهو ظلم الناس.
ثم أمر بالتقوى وتوعد توعداً مجملاً فقال: {واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ} . انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 6 صـ}